هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

90

الجزء ٥ · صفحة ٧٩

﴿ أولئكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ ﴾ إلى دينه ، وهم هؤلاء الأنبياء ، والجملة مبتدأ وخبر ﴿ فَبهدَاهم ﴾ لا بغيره ﴿ اقْتَدِه ﴾ بهداهم متعلق باقتده قدم للحصر ، ولطريق العرب فى التقديم للاهتمام ، أى تمسك بهداهم واتبعه ، والمراد بهداهم التوحيد وأصول الدين ، وما لا يختلف فى الأمم ، وليس ذلك أمراً بتقليدهم فضلا عن أن يدل ذلك على أنه أفضل ، بل قد أمره الله فى القرآن بالتوحيد وأصول الدين ، وما لا يختلف ، فقال : اتبع ما أمرتك به فإنه الذى هدينا به من قبلك ، والعامل بالدليل ، لا يسمى متقلداً ، ولو وافق غيره ، ولو كان الدليل عقلياً .

بل أقول : الآية دليل على فضله A بأن يكون المراد بهداهم كلّ ما فيه من التوحيد وأصول الدين ، وما لا يختلف ، وما فيهم من الخصال الحميدة كشكر نوح وداود وسليمان ويوسف على النعم ، وصبر أيوب ويوسف على البلاء ، وزهد زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، وصدق إسماعيل ، والمداومة على الاحتجاج كموسى وهارون بمعجزاتهما ، وتضرع يونس ، وإذا أمره الله بأن يتخلق بهذه الخصال فلا بدّ أن يكون قد امتثل ، وإذا امتثل فقد اجتمع فيه ما فيهم ، فإذا اجتمتع فيه ما فيهم ، كان أفضلهم ، والهاء للوقف ، وليست ضميراً أثبتها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ، عن أبى بكر فى الوصل أيضا إجراء له مجرى الوقف ، وسكنوها وقفا ووصلا ، وإنما أثبتوها فى الوصل لأنها مكتوبة فى الصحف ، فكرهوا مخالفته وأثبتها حمزة والكسائى فى الوقف ، وأسقطاها وصلا ، كما هو شأن الوقف ، ويريانها كهمزة الوصل تكتب ولا تقرأ إلا إذ وقف على ما قبلها ، وكالمحذوف من الآخر لساكن قبله إذا كتب ألفا أو واواً ياء ، فإنه يكتب ولا يقرأ إلا إذا وقف عليه .

وجعلها ابن عامر ضميراً مفعولاً مطلقا ، وأثبتها وصلا ووقفاً وأشبعها بياء أعنى مدها مداً طبعياً ، وذلك فى رواية ابن ذكوان ، وكسرها هشام عن ابن عامر باختلاس ، والمعنى عند ابن عامر اقتد اقتداء برد الهاء إلى المصدر المعلوم من اقتد ، ولا يخفى أن هذا بعيد ، ولو ورد كثير رد الضمير إلى المصدر المدلول عليه بالفعل لكن يجئ من كلام العرب رد الضمير إلى المصدر المفهوم من الفعل الذى عمل فيه ، بحيث يسلم ، بل ورد على غير هذه الطريقة كقوله تعالى : ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ وكما ذكر سيبويه : من كذب كان شراً له ، وقد خطأ مجاهد وقال : إن هذه هاء وقف لا تحرك بحال ، وإنما تذكر لتظهر حركة ما قبلها .

واستدل بعض بهذه الآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما لم ينسخ ، وقد تقدم فى قوله تعالى : ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ الكلام فى ذلك ، وأن قوما من أصحابنا اختاروا أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما نسخ وهو الصحيح ولو شهر خلافه ، وإذا علمت أن الخلاف فى المذهب فليحمل كلام أصحابنا الدال على أنه شرع لنا على ظاهره ، كقول الشيخ عامر C فى الاستدلال على ثبوت الإجارة بقوله تعالى :

٢٬٠٧٩ / ٧٬٦٨٠