125
الجزء ٥ · صفحة ١٤٣﴿ كأنَّما يصَّعَّدُ ﴾ يتصعد يتفعل من الصعود لتكلف ، أبدلت التاء صاداً وسكنت وأدغمت فى الصاد ، أى يعالج ويتكلف الصعود بجسده ﴿ فى السَّماء ﴾ أى فى جهة السماء ، فهى على ظاهره لأنه يوقع تكلف الصعود فى تلك الجهة ، والدخول فيها ، والمعنى أن متابعة الحق عنده صعبة شديدة متعذرة كصعوبة وشدة ، وتعذر الصعود إلى السماء فى الهواء بلا درج ، فهو لا يؤمن كما لا يصعد فى السماء ، ويجوز كون فى بمعنى إلى ، ويجوز أن يراد بالسماء جهتها بلا استشعار وصولها ، وأن يراد بالتصعد فى السماء التصعد إلى أعلى عقبة كئود صعبة لا تتيسر .
ويجوز أن يكون المعنى أنه ليس يستشعر أن الإسلام صعب متعذر كالصعود للسماء ، بل مجرد أنه بعيد عن الإيمان كبعد الصعود إلى السماء ، وقرأ شعبة وابن مسعود يتصعد بفتح التاء والصاد وتشديد العين ، وهى أصل القراءة الأولى ، وقرأ عاصم من رواية أبى بكر عنه يصاعد ألف بعد الصاد المشددة ، وتخفيف العين ، أصله يتصاعد بتاء قلبت صاداً ، وأدغمت فى الصاد ، وهؤلاء القراءات الثلاث فيها مبالغة والصيغة فيهن لتكلف الشئ .
وقرأ ابن كثير يصعد بإسكان الصاد ، وهو مضارع الثلاثى ، وقرئ يصعد بضم الياء وإسكان الصاد وكسر العين مضارع أصعد بمعنى صعد ، وكأن للتشبيه ، وما صلة لتأكيد التشبيه مسبقة لدخولها لمفعول ثان ، أى مفعولا فيه كأنما يصَّعد فى السماء ، والتحقيق أن الشرح والتضييق لم يرد بهما شأن التوحيد والشرك فقط ، بل شأنهما وشأن العمل ، وفسوق الموحد ، فإن الموحد الفاسق قد جعل صدره ضيقا حرجاً أيضا كأنما يصَّعد فى السماء .
﴿ كَذلكَ ﴾ أى كما يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعد فى السماء ﴿ يَجْعل اللهُ الرِّجْس ﴾ العذاب فى الدنيا والآخرة ﴿ على الَّذين لا يؤمنُونَ ﴾ لأجل عدم إيمانهم ، إذ ضاقت صدورهم عنه باختيارهم ، فجازاهم الله بالرجس على ذلك وهو العذاب كما رأيت ، وهو قول ابن عباس ، وقيل : يحتمل أن يكون الرجس فى الدنيا ، فيكون بمعنى اللعنة أو فى الآخرة ، فيكون بمعنى العذاب ، قال الزجاج : الرجس فى الدنيا اللعنة ، وفى الآخرة العذاب ، قلنا ، لا يلزم ذلك ، لأن الرجز وهو الرجس قد ورد فى القرآن بمعنى عذاب الدنيا كقوله تعالى : ﴿ وأنزل عليهم من السماء ﴾ الآية .
وقال مجاهد : الرجس أعم من العذاب ، فهو يعم كل ما فيه شر ، وعن ابن عباس : الرجس الشيطان ، وجعله عليهم تصديقه عليهم ، فإنهم لما اختاروا الضلال ازداد عليهم أطاعوا الشيطان وأنفسهم أولا ، فعوقبوا بالازدياد من الضلال ، وقيل : الرجس الخذلان ، وليس كذلك ، لأن جعل الصدر ضيقا حرجا خذلان ، ولعل المراد زيادة لخذلان ، فإن كل معصية خذلان .