هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

57

الجزء ١ · صفحة ٣٢١

« الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين » يعنى أن ما يسمى الترفاس من منة الله علينا بلا تعب ، فجعله من المن لأنهُ بلا تعب ، أو يعنى أنهُ من المن المذكور فى هذه الآية ، بمعنى أن جنسهما واحد وهو ما مَنَّ به بلا تعب ، ومعنى كون مائه شفاء للعين أنه يخلط بدواء آخر أو لوجع مخصوص ، وقد أطلت الكلام عليه فى تحفة الحب فى أصل الطب . وقالوا يا موسى : قتلنا هذه المن بحلاوته فادع ربك أن يطعمنا اللحم . فأرسل عليهم السلوى كما قال الله عز وعلا :

﴿ وَالسَّلْوَى ﴾ : وهو طائر يشبه السمانى ، وقيل السمانى بعينه ، يرسل الله جل وعلا ريح الجنوب فتحشرها إليهم كل يوم ، فيأخذون منها ما يكفيهم يوماً وليلة ويذبحون ، وإن زادوا فسد ، وإذا كان يوم الجمعة أخذوا ليوم السبت كما مر فى المن وإن أخذوا المن والسلوى لأكثر من يوم الجمعة والسبت فسد ، وقيل السلوى طائر كالحمام تحشره ريح الجنوب ، ويطلق فى اللغة على العسل أيضاً وليس مراداً فى الآية ، بل المراد فيها الطائر بإجماع ، ومن استعماله بمعنى العسل قول خالد ابن زهير الهذلى :

وقاسمها بالله عهداً لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما نشورها

وليس غلظاً بل هو من معانيه لغة ، وغلط من غلّطه ، وممن غلطه الزجاج وعياض ، قال ابن سيده : السلوى طائر أبيض مثل السمانى واحدته ساواة ، والسلوى العسل ، قال خالد بن زهير الهذلى : وقاسمها بالله جهدا . . . البيت قال الزجاج : أخطأ خالد إنما السلوى طائر ، انتهى . وقيل يميل للحمرة ، وقيل السلوى اللحم . قال العزالى : سمى سلوى لأنهُ يسلى الإنسان عن سائر الإدام . والناس يسمونه قاطع الشهوات ، وكذا غلّطه الأخفش أعنى غلط خالداً ، قال : لم يُسمع لهُ بواحد ، ويشبه أن يكون واحده ساوى كدفلى للواحد والجمع ، وهو طائر يعيش دهره فى قلب اللجة ، وإذا مرضت البزاة بوجع الكبد طلبته وأخذته وأكلت كبده فتبرأ ، وهو الذى أنزل الله تعالى على بنى إسرائيل على القول المشهور ، وغلط الهذلى فظنه العسل فقال : ألذ من السلوى إذا ما نشوزها . انتهى .

والسمانى سمى لسمنة وهو بوزن الحبارى بالضم والتخفيف ، ويسمى أيضاً قتيل الرعد من أجل أنه إذا سمع الرعد مات ، وفرخه يطير إذا خرج من البيضة لساعته ، والسمانى يلبد بالأرض ولا يكاد يطير إلا أن يطار . قال البخارى فى أحاديث الأنبياء ومسلم فى النكاح بسندهما إلى أبى هريرة ، قال رسول الله A : « لولا بنو إسرائيل لم يخثر لحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر أبداً » أى لم يتغير اللحم أبداً ولم ينتن لما أنزل الله المن والسلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وأنتن واستمر من ذلك الوقت ، وقدم المن على السلوى ولو كانت الحلواء تتأخر عن الغذاء لأن نزول المن من السماء مخالف للعادة ، وقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة ، والموافقة لفظ المن معنى الامتنان والمنة والمقام مقام ذكر الامتنان على بنى إسرائيل ، فناسب الابتداء به ، بل اقول أيضاً : إن المن ولو كان حلواء لكنه غذاء ، والسولى إنما هو ليقطعوا به شدة حلاوتها كما مر عنهم فهو عندهم حينئذ كالتمر عندنا فى بلادنا هذه .

٣٢١ / ٧٬٦٨٠