هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

68

الجزء ١ · صفحة ٣٥٤

قال خفاف بن ندبة :

لعمرى لقد أعطيت ضيعك فارضاً … تساق إليه ما تقوم على رجل

والبكر : الشابة من البقر التى لم تلد من الصغر ، ومادة البكر للأول كما يقال لأول النهار البكرة ، وكما يقال للثمرة الجديدة أول أوانها باكورة ، كثمرة وحبة عنب وتين .

﴿ عَوَانٌ ﴾ : أى نصف بفتح النون والصاد لا هرمة ولا صغيرة ، قال الطرماح :

طوال مشل أعناق الهوادى … نواعم بين أبكار وعون

والمشل بفتح الميم والشين وتشديد اللام ما يستر الثوب من العنق ، من شللته فى الثوب أرخيته عليه ، وإضافة الأعناق للهوادى بيانية ، فإن الهوادى الأعناق ، ويجوز أن يريد بالهوادى ما يلى الرأس من العنق ، والناعمة اللينة وهو خبر لمحذوف ، أى هى عوان ، والجملة نعت لبقرة أو نعت عوان ، وعلى هذا فلا عاطفة على بقرة ، وفيه تقديم العطف على النعت وهو غير الأكثر والتقدير بقرة عوان لا فارض ولا بكر ، كقولك هذا رجل قائم لا قاعد ولا متكئ .

﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ : المذكور من الفارض والبكر ولوقوع الإشارة إلى شيئين صحت إضافة بين إليها كقول امرئ القيس :

بسقط اللوى بين الدخول فحومل … أى بين أماكن الدخول ، لما اشتمل الدخول على أماكن صحت إضافة بين إليها ، واستغنى عن حومل وقول الشاعر :

وكلا ذلك وجه قبل … لما أشار لشيئين صحت إضافة كلا إليه ، والذى يتبادر من عود الضمير إلى البقرة فى قوله : ﴿ قال إنه يقول إنها ﴾ والوصف بأنها ﴿ لا فارض ولا بكر ﴾ بل ﴿ عوان ﴾ يدل على أنها معينة ، والأمر كذلك عند الله قطعا ، وهى بقرة معلومة عنده فى الأزل لا تختل ولا يقع غيرها موقعها ، ومن قال : إنها عند الله غير معينة فقد جهل ، ووصف الله بجهلها حتى وقعت ، وذلك كفر وإنما خاطبهم بها مبهمة لأنه قد علم أنهم سيطلبون بيانها ، وإنما عوتبوا مع ذلك على طلب البيان ، لأن طلبهم البيان إنما جاء من قسوة قلوبهم وغلظهم وتباطئهم فى الامتثال لا من حيث إنها معينة لا يكفى غيرها لأنهم لا يعلمون أنها معينة حين قال : ﴿ إن اله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز بدليل هذه الآية إذا لم يترتب فساد على تأخيره وعلم أنهُ لا يصدر الامتثال من المخاطب قبل البيان ، أو علم أنه يصدر على مقتضى البيان الذى سيبين ، أو لم يصف الوقت والحاجة ، هذا ما عندىن ومنع بعضهم تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وزعم بعض قومنا أن المراد بقرة غير مخصوصة عند الله تعالى ثم انقلب مخصوصة بسؤالهم ، وقائل : هذا وصف الله تعالى عن كل نقص بالجل وتبديل القضاء ، وذلك كفروا ما يترتب على زعمه من النسخ قبل الفعل فغير ضائر إذ لا مانع عند التحقيق من النسخ قبل الفعل ، والمنسوخ على زعمه كونهم مخبرين فى البقر أيما بقرة ذبحوا ، فقد امتثلوا والناسخ ما دل على تعيين البقرة فى هذه الآيات ، وإذا حققت أن الله سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها ولا أول لعلمه ، وآمنت بالقضاء والقدر ، وحققت أنهُ عليم بكل شئ كما أخبرنا عن نفسه ، سهل عليك حمل ظاهر اللفظ على أنها عنده معينة ، وإنما خاطبهم بها مبهمة لعلمه أنهم سيطلبون بيانها ولم تفتر بظاهر اللفظ : وأما قوله A :

٣٥٤ / ٧٬٦٨٠