71
الجزء ١ · صفحة ٣٦١﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ أو لام أل نحو : الأرض فان أل كلمة أخرى عيى التى بعدها أو سائر حروف المعجم ، نحو : ( من آمن ) ، و ( ألم أحسب ) وبناء ابنى آدم ، واستثناء أصحاب أبى يعقوب عن ورش ( كِتَابِيَه إِنى ظننت ) فسكنوا الهاء لأنه جئ بها للوقف والنقل ، إنما هو فى الوصل ، قال أبو عمرو الدانى : وبذلك قرأت على مشيخة المصريين ، وبه أخُذ . وقرأ الباقون بتحقيق الهمزة فى جميع ما تقدم مع تخلص الساكن قبلها ، واختلفوا فى ( الآن وقد كنتم ) ( والآن وقد عصيت ) فى يونس ، وفى قوله : ﴿ عادنٍ الأولى ﴾ فى النجم كما يأتى إن شاء الله .
﴿ فَذَبَحُوهَا ﴾ : عطف على محذوف أى ثم وجدوها فذبحوها أو وجدوها فذبحوها ، والمحذوف معطوف على قالوا ، يعنى أنهم وجدوا بقرة على الصفات كلها التى وصفها موسى عليه السلام ، ومرادى بوجودها حصولها بالشراء فى أيديهم ، ولذا كان العطف بالفاء الاتصالية ، ويحتمل تقدير وجود الملاقاة معها فيقدر محذوف آخر ، أى ثم وجدوها عند يتيم بار بأمه واشتروها منه ، وقد بلغ أو لم يبلغ ، لأنهُ وقع برضى أمه ، وبأمر الوحى ، ولأن ذلك مصلحة له فذبحوها .
﴿ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ : هذه الجملة الكبرى حال من واو ذبحوها ، يعنى أنهُ حصل ذبحهم بعد ما بعدوا عن الذبح بالاستقصاء فى السؤال ، والحال محكية كأنه قيل إنهم وقت الذبح قد اتصفوا بعدم المقاربة للفعل قبله ، وذلك أنهم بعدوا عن الفعل وهو الذبح ، ثم ذبحوا ، فإثبات ( كاد ) إثبات ونفى نفى ، وليس كما يقال إن نفيها إثبات وإثباتها نفى ، ثم رأيت القاضى وان هشام ذكرا أن نفيها نفى ، قال ابن هشام : يقول المعربون إن كاد إثباتها نفى ونفيها إثبات ، فإذا قيل كاد يفعل فمعناه أنَّهُ لم يفعل ، وإذا قيل لم يكد يفعل فمعناهُ أنه فعل ، والصواب خلاف قولهم ، وقد استدلوا على الأول بقوله تعالى : ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ ، وقول الشاعر :
كادت النفس أن تفيض عليه
وعلى الثانى بقوله : ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ، وقد اشتهر ذلك بينهم حتى جعله المعرى لغزاً فقال :
أنحوىَّ هذا العصر ما هى لفظة … جرت فى لسانَىْ جرهم وثمود
إذا استعملت فى صورة الجحد أثبتت … وإن أثبتت قامت مقام جحود
والصواب أن حكمها حكم سائر الأفعال فى أن نفيها نفى وإثباتها إثبات وبيانه أن معناها المقاربة ، ولا شك أن معنى كاد يفعل قارب الفعل ، وأن معنى ما كاد يفعل ما قارب الفعل ، فخبرها منفى دائماً ، أما إذا كانت منفية فواضح لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى مطلقاً حصول ذلك الفعل ، ودليله :
﴿ إذا أخرج يده لم يكد يراها ﴾ ، ولهذا كان أبلغ من أن يقول لم يرها ، لأن من لم يرقد يقارب الرؤية ، وأما إذا كانت المقاربة مثبتة ، فإن الأخبار بقرب الشئ ، يقتضى عرفاً عدم حصوله ، وإلا لكان الإخبار حينئذ بحصوله لا بمقاربة حصلوه ، إذ لا يحسن فى العرش أن يقال لمن صلى قارب الصلاة ، وإن كان ما صلى حتى قارب الصلاة ، ولا فرق فيما ذكرناه بين كاد ويكاد ، فإن أورد على ذلك ( وما كادوا يفعلون ) مع أنهم قد فعلوا ، إذ المراد بالفعل الذبح ، وقد قال تعالى : ﴿ فذبحوها ﴾ فالجواب أنه إخبار عن حالهم فى أول الأمر ، فإنهم كانوا أولا بعد أمن ذبحها بدليل ما تلا علينا من تعنتهم ، وتكرر سؤالهم ، ولما كثر استعمال مثل هذا فيمن انتفت عنه مقاربة الفعل أولا ، ثم فعله بعد ذلك توهم من توهم أن هذا الفعل بعينه هو الدال على حصول الفعل وليس كذلك ، وإنما فهم حصول الفعل من دليل آخر ، كما فهم فى الآية من قوله : { فذبحوها .