5
الجزء ٨ · صفحة ٣٢٣﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ بل للإضراب الانتقالى فى المواضع الثلاثة وأضاث خبر لمحذوف ، أى القرآن أضغاث والمفرد ضِغث ، بكسر فسكون ، بمعنى مضغوث ، أى مخلوط .
والأحلام جمع حُلم بضمتين ، أو بضم الحاء وإسكان اللام وهو الرؤيا انتقل عن قولهم : القرآن سحر إلى قولهم : إنه أخلاط رآها فى اليوم لا تصلح للتأويل .
﴿ بَلِ افْتَراهُ ﴾ جاء به من قبل نفسه وليس من الله . بلى . وهذا انتقال منهم من قولهم : إنه أضغاث أحلام ، إلى قولهم : إنه مفترى .
﴿ بَلْ هُوَ ﴾ أى محمد ﴿ شَاعِرٌ ﴾ والقرآن شعر ، انتقال منهم من قولهم : إنه مفترًى إلى قولهم : إنه شعر يزخرف الباطل . وبل هذه مرتَّبة على التى قبلها ، وكلتاهما مرتبة على أضغاث أحلام ، ومن عقولهم .
وبل الأولى من كلام الله سبحانه ، ويجوز أن تكون الثانية والثالثة من كلامه جل وعلا ، فلم يسلط عليهم القول ، بل يقدر بعده أى .
بل قالوا : افتراه . بل قالوا : هو شاعر ، فى الكلام إشارة إلى تنزيل أقوالهم فى مراتب من الفساد متفاوتة ، فإن قولهم : إنه مفترًى أفسد من قولهم : إنه أحلام؛ لاشتماله على مغيبات كثيرة ، طابقت الواقع والمفترَى لا يكون كذلك ، بخلاف الأحلام ، قد تكون كذلك ، ولأنهم ما جربوا عليه كذبا قط . ويسمونه قبل الأربعين الأمين .
وقولهم : أضغاث أحلام أفسد من قولهم : إنه سحر؛ لأنه مجالسه ، من حيث إن كلا منهما خارق ، لكن بينهما ما بين العرش وثور أسفل الأرضين .
وقولهم : إنه شِعر أفسد من قولهم : إنه مفترًى؛ لأنه مشحون بالحقائق والحِكَم ، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء .
﴿ فَلِيَأتِنَا بِآيَةٍ ﴾ كاليد والعصى وإبراء الأكمه ، وإحياء الموتى والناقة ، إن كان ، إن كان صادقًا .
﴿ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ﴾ إن قلت : كيف شبهوا الإتيان بالآية بإرسال الأولين؟
قلت : صح ذلك؛ لأن الإرسال يتضمن الإتيان بالآية؛ فإن قولك : أتى سيدنا محمد بالمعجزة ، مثل قولك : أُرسل سيدنا محمد صلى الله لعيه سولم؛ فإن الإتيان بها من فروع الإرسال ولوازمه ، أو لأن التقدير : كما أرسل الأولون بها .
ولا مانع من حذف هذا الضمير المجرور ، ولو تعلق بما لم يتعلق به بآية؛ لأن ما موصول حرفى ، بل ولو جعل اسميا ، أى كالإرسال الذى أرسله الأولون؛ لأن الإرسال والإتيان ما صَدَفُهما واحد .
ويجوز أن يكون التقدير : فلْيأتنا مرسَلاً بآية كما أرسل الأولون آتِينَ بها ، فحذف فى كل من طرفى التشبيه ما ذكر فى الآخر .
ومعضهم يسمى الحذف من الأول مع ذكر المحذوف فى الثانى ، مع الحذف من الثانى ، مع ذكر هذا المحذوف فى الأول احتباكا ، والكاف نعت لآية ، أو نعت لمصدر محذوف ، أو هى حرف ، ويقدر الاستقرار نعتا .