2
الجزء ٨ · صفحة ٣٢٠﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ أى ما يأْتيهم من ربهم ما ينبههم من نوم الغفلة والجهل ، مما أحدث نزوله شيئاً فشيئاً آية بعد أخرى وسورة بعد أخرى إلا استمعوه بمجرَى الآذان مستهزئين به لتوغلهم فى الغفلة والإعراض عن النظر والتفكر فى العواقب .
وفائدة إحداث الذكر شيئاً فشيئاً أن يتكرر التنبيه فيتعظوا ، وما زادهم ذلك إلا لعبًا ولهواً وغفلة مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسئ .
والذكر : القرآن .
وقيل : ما قاله النبى A من السنن والمواعظ غير ما فى القرآن . وإنما قال : ﴿ مِن ربهم ﴾ لأنه A لا يقول إلا حقا موافقا للقرآن ، فكأنه من الله بل قال الله تعالى : ﴿ وما ينطق عن الهوَى إن هو إلا وحى يوحَى ﴾ قيل : لما نزلت : ﴿ اقترب للناس ﴾ الخ قال بعضهم : زعم صاحبكم أن الساعة قربت فانتهوا قليلا عمَّا يتم ، ثم عادوا . ولما نزل : ﴿ أتى أمر الله ﴾ الخ . قالوا كذلك ، لو قال غيرَ ذلك البعض ، ثم رجعوا ونزل : ﴿ ولئن أخّرنا عنهم العذاب ﴾ الخ .
ومِن ربهم متعلق بيأتى ، أو بمحذوف صفة لذكر ، أو حال منه ، لتقدم النفى ولو صفة لمحدث ، أو متعلق بمحدث ، أو بمحذوف حال من ضميره .
وذكر فاعل مجرور بمن الزائدة للتأكيد ، مقدر الرفع كما يدل له قراءة ابن أبى عبلة فهو للتقدير . وجملة وهم يلعبون حال من الواو ، وكذا قوله : ﴿ لاَهِيَةً ﴾ فهما حالان منترادفان ، أى جامِعين بين اللعب واللهو ، أو لاهية حال من ضمير لمفعول ، فهما حالان متداخلان .
وإذ قلنا : إن اللعب واللهو بمعنى واحد فالحال الثانية مؤكدة للأولى وقد وقت بينهما فى غير هذا الموضع .
﴿ قُلُوبُهُمْ ﴾ فاعل لاهية ، وقرئ برفع لاهية ، فالظاهر أنه خبر ، وقلوب مبتدأ ، والجملة حال كذلك .
ويجوز كونه خبراً لمحذوف ، أى هم لاهية . والجملة حال .
وقلوب فاعل ويجوز كونه خبراً آخر لقوله : هم ، والأول يلعبون ، وقلوب فاعل فسماعهم من حيث قرنه باللعب واللهو كلا استماع .
﴿ وأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ أرادوا الكلام الخفى إخفاء ، فانظر ما مر فى طه وعن أبى عبيدة : أسروا : أجهروا .
﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بدل من واو أسروا المحذوف نطقا للساكن . وفائدته التشنيع عليهم باسم الظلم فى إسرارهم ما أسروا به النجوى ، أو فاعل ، والواو حرف علامة للجماعة وهى لغة أكلونى البراغيث .
روى أن سيبويه قال بالأول ، وأنه قال : ليس فى القرآن لغة مَن قال : أكلونى البراغيث ، أو مبتدأ والجملة قبله خبره ، وإنما قدم الخبر الفعلى هنا لعدم الالتباس ، بخلافه فى نحو زيد قام . والأصل : وهم أسروا النجوى . وهؤلاء أسروا النجوى : وعبر بالوصول تشنيعا بصلته ، أو مقبول لأَذُم محذوف وجوباء ، أو خبر لمحذوف ، أى هم الذين ، أو مبتدأ خبره قول مقدر ناصب لجملة بعده ، أو فاعل لقول محذوف ناصب لهاء حسابهم ، أو هاء قلوبهم ، أو من الناس قاله ابن هشام .