87
الجزء ١ · صفحة ٤٠٩ويبحث أيضاً بأنه كان فى أرحام الحوائض بكون أمه فى أرحام الحوائض ، إلا أن يقال بأنه لم ينزل لها ماء كما مر ، وبيان تأييد الله جل وعلا ، عيسى عليه السلام بجبريل ، أن جبريل أمره الله ألا يفارقه وأن يسدده ، فكان كذلك فلم يفارقه حتى صعد هو به إلى السماء . وقال ابن زيد : روح القدس هو الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحاً ، وقال ابن عباس : هو اسم الله الأعظم الذى كان يحيى به الموتى بإذن الله D ، وإضافة الإنجيل أو الاسم الأعظم للقدس تشريف ، والقدس الطهارة من النقائص أو اسم الله أو الإضافة من إضافة الموصوف للصفة ، كما مر من القولين الأخيرين أيضاً . قال أبو عمرو الدانى : قرأ ابن كثير القدس مخففاً حيث وقع ، يعنى مسكن الدال والباقون مثقلا يعنى مشدد الدال . قال الكلبى : ولما سمعت اليهود بذكر عيسى وبيانه فى هذه الآية قالوا لرسول الله A : فلا مثل ما جاء به موسى جئنا به ، ولا مثل ما عمل عيسى كما تزعم عملت ، ولا كما نقص علينا من أخبار الأنبياء فعلت فائتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً ، وفى رواية إسقاط ذكر موسى ، فنزل قوله تعالى :
﴿ أَفَكُلَّمَا جاءَكُم رسولٌ بما لا تَهْوَى أنفُسُكُم اسْتَكْبرتُم ففريقاً كذّبْتُم وفريقاً تَقْتُلُونَ ﴾ : ولما تلا رسول الله A ذلك سكتوا وعرفوا أنه الوحى من الله D ، عيرهم بما فعلوا . والهمزة للاستفهام التوبيخى وفيها تجب من شأنهم ، وهى فى المعنى داخلة على قوله استكبرتم ، فهو محط الاستفهام ، لكن فصل بينهما بقوله : ﴿ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ﴾ والفاء للاستئناف مقدمة على الهمزة فى الأصل ، ولكن أخرت لتمام صدارة الهمزة ، وكذا تقول : إن جعلت الفاء عاطفة على محذوف معطوف على محذوف ، أى ولقد آتينا أنبياءكم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم ، أفكلما . . إلخ بعطف الاستفهام على الأخبار ، وكذا يجوز العطف على ولقد آتينا موسى الكتاب ، وليس كما قيل إن الهمزة فى مكانها إذا جعلت الفاء للاستئناف ، فإن حكم فاء الاستئناف فى ذلك حكم فاء العطف ، ولو لم يذكروه ، بل أصل فاء الاستئناف العطف وكذا واو الاستئناف ، ولذا لا يؤتى بهما للاستئناف فى أول كلام لم يسبقه شئ مذكور ولا مقدر ، وكل ظرف زمان متعلق باستكبرتم ، وذلك أنه أضيف للمصدر النائب عن اسم الزمان وهو المجئ ، فإن ما مصدرية ، وجاء فى تأويل مصدر مضاف إليه ، وتهوى بفتح الواو بمعنى تحب وماضيه هوى بكسرها وأكثر ما يستعمل شرعاً فيما ليس بحق وأما لغة فيستعمل فى الحق والباطل والمباح وهو حق ، وفى كل شئ ، وأما السقوط فيقول فيه هوى بفتحها يهوى بكسرها ، أى بما لا تحبه أنفسكم من الحق ومعنى استكبرتم تعظمتم وترفعتم عن الإيمان بالحق ، واتباع الرسول الذى جاءكم فى أى حين جاءكم ، والفريق الذين كذبوا كموسى وعيسى ومحمد وغيرهم ، وما جاء رسول إلا كذبوا به كما هو نص الآية ، والفاء فى قوله : ( ففريقاً ) للاستئناف استؤنف بها كذبتم ، وتقتلون ، وفيما بعدها من الجملتين تفصيل لما تضمنه الاستكبار ، وعاطفة على استكبرتم وهى للتفصيل أيضاً أو عاطفة سببية ، بمعنى أن ما بعدها من التكذيب والقتل مسبب عن الاستكبار المذكور قبلها ، والمعطوف هو جملة كذبتم وتقتلون ، والفريق الذى يقتلون كزكريا ويحيى وعدد كثير ، روى أنهم قتلوا ثلثمائة نبى فى يوم واحد ، ثم قامت سوق بقلهم آخر النهار ، وفى رواية يقتلون ثلثمائة نبى فى اليوم الواحد ، ثم تقول سقو البقل آخره ، وهذه الرواية تدل على تعدد قتل هذا العدد فى أيام .