106
الجزء ١ · صفحة ٤٦٥وقد مر أن النسخ إما اللفظ أو الحكم ، وإما لأحدهما ، فأما نسخ اللفظ والحكم فمنه ما روى البغوى بلا سند عن أبى أمامة بن سهل : أن قوماً من الصحابة قاموا ليلة ليقرءوا سورة ، فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فغدوا إلى النبى A فأخبروه ، فقال رسول الله A « تلك السورة رفعت تلاوتها وحكمها » وقيل إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة ، فرفع بعضها تلاوة وحكماً . وعن عائشة رضى الله عنها : كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات ، فنخست بخمس معلومات فتوفى رسول الله A وهن مما يُقرأ من القرآن ، رواه البخارى ومسلم ، والمعنى أنهُ قارب رسول الله A الوفاة وقد نسخت التلاوة ولم يبلغ نسخها بعض الناس ، فكان يقرؤها بعد نسخها . وبعض بعد وفاته A وقال أبو موسى الأشعرى : نزلت ثم رفعت ، وقال مكى : هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو ولا أعلم له نظيراً ، وانتهى النسخ فى الخمس المعلومات عند الشافعى ، وقال مالك : نسخت الخمس ، وكذا نقول معشر الإباضية الوهبية ، كما قلنا إن التحريم يقع ولو بقطره ، والفائدة مع نسخ اللفظ والحكم مما الثواب على الفعل ، لو بقى والعزم على فعله لو بقى وامتثاله ، وأما ما نسخ حكمه دون لفظه فقد تقدم ذكره ، وذكر ما ورد عنه ، وتقدم أنهُ ليس من النسخ آيات القتال لآيات الصفح والإعراض ولو عد ذلك كثير نسخاً وسماه بعضهم منسئا .
قال السيوطى : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب ليس نسخاً بل منسئا أى مؤخر كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ، ثم أوجب القتال لما زال الضعف وهو الأمر الذى ورد ووجب امتثاله فى وقت ما لعلة تقتضيه ، ثم ينتقل بانتقال العلة إلى حكم آخر ، وإنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله . قال مكى : ذكر جماعة إنما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت مثل : ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره ﴾ محكم غير منسوخ ، لأنهُ مؤجل والمؤجل لا نسخ فيهِ ، والحكمة فى رفع الحكم وبقاء اللفظ أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم يعمل به ، كذلك يتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه ، فأبقى اللفظ لذلك ، وأن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيراً للنعمة ورفع المشقة والعزم على العمل قبل النسخ ، وقيل لا يكون النسخ حتى يرفع التلاوة ويرده ما نسخ بالقرآن من التوراة وهما متلوان ، وأما نسخ اللفظ وبقاء الحكم فمثل ما أخرجه مسلم والبخارى عن ابن عباس ، واللفظ لمسلم ، أن عمر بن الخطاب قال على منبر رسول الله A : إن الله D بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليهِ آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ، ورجم رسول الله A ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما نجد الرجم فى كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وأن الرجم فى كتاب الله D على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف ، فإن قلت فى أى سورة؟ قلت : فى الأحزاب؟ قال أبو عبيدة : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن المبارك بن فضالة ، عن عاصم ابن أبى النجود ، عن زر بن حبيش قال : قال لى أبى بن كعب كم آى تعد سورة الأحزاب؟ قال اثنين وسبعين آية أو ثلاثا وسبعين آية ، قال إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقول فيها الرجم ، وما آية الرجم؟ قال : إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهم البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم .