هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

128

الجزء ٢ · صفحة ٤٤

﴿ ربَّنا ﴾ : نداء ثان مؤكد للنداء فى قولهما ﴿ ربنا تقبل منا ﴾ أو نداء عائد إلى قولهما ﴿ إنك أنت ﴾ أى إنك أنت يا ربنا السميع العليم ، أو إنك يا ربنا أنت السميع العليم مضاف إلى محذوف وقع العطف عليه فى قوله :

﴿ واجْعلنَا مُسْلمَين لَكَ ﴾ : أى يا ربنا أجب لنا واجعلنا مسلمين لك أى منقادين لأمرك ونهيك ، أو مخلصين لك . ومن أسلم وجهه أو أخلصه ، أو مؤمنين عاملين لك عملا صالحا ، وذلك كله حاصل فيهما قبل هذا الدعاء ، ولكن أراد الدعاء بزيادة فى ذلك أو بالثبات عليه . وقرئ مسلمين ( بكسر الميم وإسكان الميم إسكانا ميتاً وفتح النون ) وله أوجه : أحدها أن يكون من استعمال صيغة الجميع فى الاثنين ، ونكتته أنه يخرج منهما إتباعا لهما على الخير والثانى أن يكون أراد الدعاء بالجعل مسلما أنفسهما ومن يؤمن من ذريتهما ، والثالث أن يريدا نفسيهما وهاجر . وهى زوج إبراهيم أم إسماعيل عليه السلام .

﴿ ومِنْ ذُريَّتنا أمةً مُسلمةً لَكَ ﴾ : من ذريتنا معطوف على مسلمين ، وأمة معطوقة على ( ن ) من قوله : ﴿ واجعلنا ﴾ كأنه قيل واجعل أمة مسلمة لك من ذريتنا ، ومن للتبعيض كأمثاله السابقة ، وخصا البعض لعلمهما أن فى ذريتهما ظلمة ، كما أوحى الله D إلى إبراهيم : ﴿ لا ينال عهدى الظالمين . ومن كفر فأمتعه ﴾ ولعلمهما أن الخدمة الإلهية لا تقتضى الاتفاق على الإيمان والإخلاص والإقبال الكلى إلى الله ، فإن كثيراً من أمر المعاش أو كثيرة يأتى بواسطة السفهاء حتى الدين ، فإنه قد يعز بالسفهاء ، روى عنه ، صلى الله عليه وسم : « يؤيد الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم وفى أثر ذلك قوم قلت سفهاءهم » ويقال : لولا الحمقاء لخربت الديار ، وخصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ، قال الله تعالى : ﴿ قُوا أنفُسَكم وأهْلِيكم ناراً ﴾ ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع ، ألا ترى أن المقدم من العلماء والكبراء إذا كان صالحاً عادلا كيف يتسارع الصلاح والعدل إلى رعيته ، فقد تشاركت الذرية وغيرها فى هذا ، وزادت بحق القرابة فكان الاهتمام بها أولى ، ويجوز أن تكون من للابتداء ، سواء قلنا الجعل المذكور هو العامل ، أو قدرنا اخلق أو اجعل بمعنى أخلق تعلق به من ، أى واخلق من ذريتنا أمة مسملة لك ، وكونها للابتداء لا يفوت بها التبعيض ، بل هو باق هنا فإنك تقول : أعطنى الدراهم من الكيس ، سواء تريد أن يعطيك بعضها فقط ، أو أن يعطيك الكل . ويجوز أن تكون من للتبيين متعلقة بمحذوف حال من أمة ، وأمة مفعول لا خلق أو اجعل ، بمعنى اخلق محذوفاً . قال ابن هشام : قال بعض إن الظرف كان صفة لأمة ، ثم قدم فانتصب على الحال ، يعنى بالظرف قوله : ﴿ من ذريتنا ﴾ وهذا يلزم منه الفعل بين العاطف والمعطوف بالحال ، وأبو على لا يجيزه بالظرف ، فما الظن بالحال الشبيهة بالمفعول به؟ انتهى .

٥٤٤ / ٧٬٦٨٠