116
الجزء ٢ · صفحة ٥يقولون للرحمن باب بجهلهم … ومن قال للرحمن باب فقد كفر
والذى عندى أن من قال هذا لا يشرك إن لم يعتقد تشبيها ولا معنى لفظه ، بل التعظيم لكونه منافق لأنه سمى الله باسم قبيح موهم .
﴿ بَل له ما فى السموات والأرض ﴾ : إبطال لقولهم اتخذ الله ولداً ، أو إضراب عنه واستدلال على فساده ، بأن من ملك السموات والأرض الذى من جملته عزير والمسيح والملائكة ، لا يكون عزير والمسيح والملائكة أولاداً له ، بل هم عبيد له ومماليك ، والملكية تنافى الولادة ، فإن الولد ليس ملكاً لوالده كما يملك العبد ، ففى الآية دليل على أن من ملك ولده عتق عليه ، لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك ، وذلك يقتضى تنافيهما قاله القاضى ، وأيضاً الولد يتخذ للحاجة إليه والانتفاع به عند عجز الوالد أو كبره والانتصار به ، ودفع المكاره به والهموم ، والله جل وعلا غنى على الإطلاق ولا يحتاج إلى شئ ولا يحلقه ضعف ولا مكروه ولا هم .
﴿ كل له قانتون ﴾ : أى كل ما فى السموات والأرض قانتون لله ، ومن كان بهذه الصفة من قنوت ما فى السموات والأرض له لا يجانسه شئ ولا يشبهه شئ ، ولا يكون نظيراً له ، والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد ، فلم يصح أن يكون عزير والمسيح والملائكة أولاداً له ، ومعنى ﴿ قانتون ﴾ منقادون لمشيئته لا يخالفون أمره ، والكفار أيضاً منقادون بالأجسام والأحوال ، فإن الله يتصرف فى أجسامهم بما شاء ويجرى عليهم قاضاءه ، وتسجد ظلالهم فأجسامهم مقرة كغيرها بالعبودية ، والقنوت لغة طول القيام ، كقوله A : « أفضل الصلاة طول القنوت » وأطلق هنا على الانقياد والطاعة والخضوع ، ويجوز كونه بمعنى القيام ، أى كل ما فى السموات والأرض قائمون لشهادة أنه الواحد الأحد ، المالك لهم ، الفعال ما يريد ، ويطلق أيضاً فى اللغة على الطاعة ، وقيل ﴿ قانتون ﴾ ذليلون خاضعون ، وما تقدم من تقدير ما أضيف إليه كل عاما هو الصحيح ، فجمع القانت جمع مذكر السالم تغليب للعاقل وغير أولا بما مع أنها لغير العاقل تغليباً بجانب من يحقر وهو غير العاقل ، لأن العقلاء كالملائكة ، وعزير والمسيح محقورون أيضاً فى هذا المقام مقام ما ينسب إلى الله من الولادة ، فليس فى الوجود ولا فى الإمكان شئ يصح أو يليق أن يكون ولداً له ، لأن الولادة فى نفسها نقص ككائنة ما كانت ، فلا يتأهل لها الملائكة ولا عزير ولا المسيح ، ويجوز تقدير ما أضيف إليه كل خاصا هكذا كل من ادعوه ولداً له تعالى من عزير والمسيح والملائكة قانتون له لا لغيره ، مقرون بأنهم عبيده ، فكيف تثبتون الولادة لهم وهم ينفونها عن أنفسهم ، ويشهدون على أنفسهم بالعبودية ، فألزمهم بقوله : ﴿ كل له قانتون ﴾ ، بعد ما احتج عليهم بقوله : ﴿ له ما فى السموات ﴾ ، وعن ابن عباس أنه يقدر خاصا بأهل الإيمان ، وأن القنوت قنوت بالقلب والجوارح بالاختيار والعمد والقصد ، فيكون التقدير هكذا كل المؤمنين له قانتون .