هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

117

الجزء ٢ · صفحة ٨

وإن قلت : فكيف يخاطب المعدوم؟ قلت : خاطبه على هذا القول بكن . لأنه عنده تعالى معلوم ، فاللام فى له هى لام الخطاب الآتية بعد القول ، كقولك قلت لزيد قم ، وهى للإبلاغ ، ويصح أن تكون للتعليل ، أى يقول لأجل الشئ الذى أراد حصوله كن ، أو بمعنى فى ، أى يقول فى شأنه كن . والفاء فى قوله : ( فيكون ) للعطف على يقول كقولك أقول للجمل ائت فيأتى ، تعنى أنه يترتب إتيانه بلا مهلة على قوله ائت ويتسبب به ، أو للاستئناف ومجرد الفريع ، بمعنى فهو يكون . وقرأ ابن عامر فيكون بالنصب عطفاً لمصدر المنسبك بواسطة أن المصدرية المحذوفة على مصدر مقدر من يقول ، أى فإنما يحصل منه قوله للشئ كن فيكون من ذلك الشئ .

وقد تقرر جواز الرفع والنصب بعد جواب الشرط ، فإن كان جاز ما زاد جواز الجزم ، وأما النصب إذا نصب يقول كما فى يس فبالعطف على لفظ يقول . قال أبو عمر والأندلوسى الدانى : قرأ ابن عامر فتكون بالنصب فى البقرة كن فيكون ، وفى آل عرمان فيكون ويعلمه ، وفى النحل ومريمن ويس وغافر ، وتابعه الكسائى فى النحل ويس فقط ، والباقون بالرفع ، وليس النصب عندى فى جواب الأمر ، لأن حصوله لا يتسبب عن لفظ كن ، لأن المقصود به اللفظ كما هو شأن المحكيات بالقول ، وكن فيكون من الكون الذى يكتفى بالمرفوع ، وأصل القضاء إنفاذ الشئ والفراغ منه بالقول ، كقوله تعالى : ﴿ وقَضَى رَبُّكَ ألا تعبُدوا إلا إيَّاه ﴾ أو بالفعل كقوله سبحانه : ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوات ﴾ واستعمل هنا بمعنى الإرادة لأن إرادة الله الشئ تستلزم وجوده استلزاماً خارجيّاً ، وإرادة المخلوق الشئ تستلزم وجوده استلزماً بيانياً ، فعبر باللازم وهو مسبب وأراد الملزوم وهو سبب ، فقضى مجاز مرسل تبعى ، هذا الذى ذكرته هو التحقيق وذكر بعض أن قضى هنا يجوز أن يكون بمعنى قدر ، وأن يكون بمعنى أمضى ، والأمر واحد الأمور ، كما تقول أمر من الأمور ، تعنى شيئاً من الأشياء ، وليس المراد أمراً من الأوامر التى هى ضد المناهى ، والله سبحانه وتعالى قادر فى الأزل بلا أول قبل وجود المقدورات وبعد وجودها ، وعالم بما سيكون فى الأزل بلا أول ، ولا تقل أمر للمعدومات فى الأزل بالوجود الأعلى معنى سيأمر بوجودها ، وتقول قضى بأنها ستوجد .

٥٠٨ / ٧٬٦٨٠