152
الجزء ٢ · صفحة ١٠٢« ذكرته فى ملأ كذلك » لكنهم ملائكة وملأ الذاكر بشر ، وهذا يدل على أن الملائكة أفضل من الناس بقوله : « خير منه » ولا دليل فيه على أنه أفضل من الأنبياء ، لأن الذكر غالبا فى جماعة لا نبى فيها لقلة الأنبياء فى النسبة إلى الناس لكثرة الغيبة عن الأنبياء فى حياتهم ، وظاهر الحديث تفضيل الذكر فى الجماعة على الذكر فى الخلوة ، وهو كذلك لكونه ذكر الله فى الجماعة ليذكرهم أو يأمرهم وينهاهم ، أو ليذكروا أو ليعظم الله فيعظموه أما إذا ذكره رياءً أو مهملا فليس بذكر ، وإن ذكره احتسابا لا مهملا لكن بلا نية تذكير لهم أو أمر لهم أو نهى لهم ، وبلا نية حينئذ أعظم ، ومعنى : « إن تقرب إلى شبراً . . إلخ » الكناية من أن الله يعطى العبد أكثر مما عمل ، وكنى بالقرب الحسى تأكيدا وإدخالا فى القلب ، وإلا فالله منزه عن الحلول والجهات والقرب والبعد الحقيقين الذين بالمماسات والانفصال ، وقال سعيد بن جبير : معنى الآية اذكرونى بالطاعة أذكركم بالثواب . وقال الداؤودى عنهُ : اذكرونى بالطاعة أذكركم بمغفرتى ، وروى عن رسول الله ، A : « من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاتهُ وصيامه وتلاوته القرآن . ومن عصى الله فقد نسى الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاتهُ القرآن » وعن أبى هريرة عنه عن رسول الله A : « يقول الله D : أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه » أى ما دام يذكرنى وتتحرك بى شفتاه رواه البخارى ومسلم ، ورويا أيضاً عن أبى موسى الأشعرى ، عن رسول الله A : « مثل الذى يذكر ربه والذى لا يذكر كمثل الحى والميت » . وروى مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله A : « سبق المفردون قالوا : وما المفردون يا رسول الله؟ قال : الذاكرون الله كثيراً والذاكرات » أى الذين اعتزلوا عن الناس فأكثروا الذكر أو الذين ذهب القرن الذى كانوا فيه وبقوا فيه وهم يذكرون الله تعالى . وروى ابن المبارك فر رقائقه بسنده عن أنس بن مالك : « ما من بقعة يذكر الله عليها بصلاة أو بذكر إلا افتخرت على ما حولها من البقاع واستبشرت بذكر الله إلى منتهاها من سبع أرضين ، وما من عبد يقوم يصلى إلا تزخرفت له الأرض » قال ابن المبارك : أخبرنا المسعودى عن عون ابن عبدالله : الذاكر فى الغافلين كالمقاتل خلف الفارين .
﴿ واشْكُروا لى ﴾ : ما أنعمت به عليكم بأن تعبدونى ولا تخالفونى ، وروى الحاكم فى المستدرك عن جابر بن عبدالله ، عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلم : « وما أنعم الله على عبد من نعمة فقال الحمد لله إلا قد أدى شكرها وإن قالها الثانية جدد له ثوابها فإن قالها الثالثة غفر الله ذنوبه »