180
الجزء ٢ · صفحة ١٨٠فقالتت رضى الله عنها كم عيالك؟ فقال : أربعة . فقالت : رضى الله عنها : إنما قال الله تعالى : ﴿ إن ترك خيراً ﴾ ، وإن هذا لشئ يسير فاتركه لعيالك . وأراد آخر الوصية وله عيال وأربعمائة دينار ، فقالت : ما أرى فيه فضلا . وفى النيل قال ثلاثون ألف درهم . فقالت : كم عيالك؟ قال أربعة . قالت : يسير فاتركه لعيالك ، وقيل الخير هنا ألف درهم فصاعدا ، وقيل سبعمائة درهم فصاعدا ، وقيل ستون دينار فصاعدا ، وقيل خمسمائة دينار فصاعدا ، وقيل الكثير الفاضل عن العيال كما يفيده كلام عائشة ، وتلك أقوال الجمهور ، ومنهم على كما مر قوله . وروى عنه أيضا أنه دخل على رجل من قومه يعوده فى مرضه ، فأراد أن يوصى فقال له على : إنما قال تبارك وتعالى : ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وأنت مقل لا مال لك . وقال أصحابنا : الخير المال القليل والكثير ، وهو قول الزهرى ، وتجب الوصية بحسب تلك الأقوال . فعندنا الآية منسوخة بآية الإرث إلا وصية الأقرب الذى ليس بوارث فغير منسوخة ، فتجب عندنا وصية الأقرب على من له مال قليل أو كثير ، وقال بعض قومنا نجب إن ترك كثيراً على الخلاف المذكور فى الكثير ، وقال جمهورهم نسخ وجوب وصية الأقرب ، وبقى ندبها على من ترك خيراً كثيرا .
﴿ الوَصيَّةُ للْوالِدينِ والأقْربينَ ﴾ : ولكن يقول أوصيت لأقربى أو لأقاربى ، أو للأقرب إلى أو منى أو للأقارب منى وإلى نحو ذلك مما هو نص فى أن القرابة منتسبة إليه ، وإن قال للأقرب أو للأقارب جاز عندى العلم بأن مراده قرابته ، خال فى الإيضاح وفى الأثر : وقد اتفق علماؤنا رحمهم الله أن من قال : قد أوصيت لقرابتى أنها وصية صحيحة ، وإذا قال للأقربين فعند بعض أنها ضعيفة انتهى . والآية أوجبت الوصية للأقربين ، فيعتمد الموصى اللفظ التى هو أقرب فى امتثال الآية . قال فى الإيضاح : ولما بين الله D فى سورة النساء ميراث الولديْن كانت وصيتهما منسوخة ، وثبتت وصية الأقربين على حالها ، ومن مات ولم يوص بها فقد روى عن ابن عباس أى والضحاك بن مزاحم أنهُ قال : من مات ولم يوص فقد ختم عمله بمعصية . وفى الأثر : لا يقال ختم بمعصية إلا فيمن مات على كبيرة ، فالمنسوخ من الآية وصية الوالديْن ووصية الأقربين الذين يرثون ، وبقيت وصية الأقربين الذين لا يرثون ، وذلك قول ابن عباس والحسن البصرى وقتادة ، وزعم بعض عن ابن عباس والضحاك أنهما قالا : إن الوصية للأقربين غير الوالدين واجبة ولو كانوا ورثة وهو خطأ فى الرواية ، وقال جمهور الصحابة والامة : إن وصية الأقربين الذين لا يرثون منسوخة أيضا من حيث الوجوب ، فكانت مندوباً إليها وذلك قول الحجازيين والبصريين والكوفيين ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما والحسن ومسروق وطاووس وقتادة والضحاك ومسلم بن يسار أن وصية من لا يرث من الوالدين والأقربين باقية الوجوب ، ووصية من يرث منهم منسوخة الوجوب ، لأن النسخ بآية الإرث ، فمن لا يرث وحيث له فمن ترك والداً مشركاً أو أماً مشركة أو أقرب مشركا أوصى له ، لأن المشرك لا يرث الموحد ، وقيل لا تثبت الوصية لمشرك ، وكذا اختلف فى القتل هل يبطل الوصية إن كانت ويبطل وجوبها على من كان محتضراً به؟ فقيل نعم كالإرث ، وقيل لا وكذا الوالد العبد والأم الأمة والأقرب الرق ، وقيل كانت الجاهلية يوصون للأبعد ين طلبا للفخر والشرف والرياء ، ويتركون الأقربين فقراء ، فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين ، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث ، وبما روى عن عمرو بن خارجة أنه قال : كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله A وهو يخطب ، فسمعته يقول :