186
الجزء ٢ · صفحة ٢١٢قلت : هذه فى أهل الشرك ، وآية البقرة ظاهرة فى غيرهم ، فيبعد تقييدها بتلك . وأما : ﴿ فَليْسْتَجِيبُوا لِى ولْيؤْمِنوا لى ﴾ ففى الجلب الإيمان ، وفى التحبب لا فى خصوص مقام السؤال عن الله ، والجواب عن السؤال ، أو المعنى وليدعو على الإيمان ، وقيل معنى أجيب أسمع ، والسد قد يسمع كلام عبده ولا يعطيه سؤله ، وقيل : الدعاء هنا الطاعة ، والإجاب الإثابة فى الآخرة ، وقيل اتلدعاء الثناء على الله ، والتوحيد إن كان معه ندء كقولك : يا الله أنت ربى ، فسمى الكل باسم النداء ، وسميت الإثابة على ذلك إجابة ، ليطابق لفظ الدعاء ، وياء الدعاء وياء دعانى محذوفتان من الخط ثابتتان فى التلاوة فى الوصل عند ورش وأبى عمر ، ويحفانها وقفا ، وحذفهما غيرهما وصلا ووقفا .
﴿ َلْيَسْتَجِيبُوا لِى ﴾ : دعائى بالطاعة ، فإنى قد دعوتهم إليها ، كما أجيبهم إذا دعونى لمهماتهم ، قاله مجاهد وغيره ، وقال أبو رجاء الخرسانى : معناه فليدعونى ، وقيل : فليطلبوا أن أجيبهم .
﴿ ولْيؤمنُوا بى ﴾ : يخرجوا من الشرك ، أو يدوموا على الإيمان ، وقال أبو رجاء : المغنى فليصدقوا بأنى أجيب دعاءهم ، وروى أن رجلا وقف على قوم فقال : من عنده ضيافة هذه الليلة؟ فسكتوا ، فأعاد ، فقال أعمى : عندى ، فذهب به إلى منزله فعشاه ، ثم حدثه ساعة ، ثم وضع له وضوءاً ، فقام الرجل فى جوف الليل فتوضأ وصلى ما قضى له ، ثم جعل يدعو ، فانتبه الأعمى وجعل يسمع لدعائه ، فقال : أللهم رب الأرواح الفانيا والجساد البالية ، أسألك بطاعة الأرواح الراجعة إلى إجسادها ، بطاعة الأجسار الملتمة فى عروقها ، وبطاعة القبور المتشققة عن أهلها ، وبدعوتك الصادقة فيهم ، وأخذك الحق منهم ، وتبريز الخلائق كلهم ، من مخافتك ينتظرون قضاءك ويرجعون رحمتك ، ويخافون عذابك ، أسألك أن تجعل النور فى بصى ، والإخلاص فى عملى ، وشكرك فى قلبى ، وذكرك فى لسانى فى الليل والنهار ما أبقيتنى . فحفظ الأعمى هذا الدعاء ، ثم قام فتوطأ وصلى ركعتين ، ودعا به فأصبح قد رد الله عليه بصره . والعقيدة أن الأرواح لا تفنى الآن جزما ، وأما إذا قمت الساعة ففى فنائها قولان : قرأ ورش بفتح ياء بى . وقرأ غير بالإسكان .
﴿ َعلَّهُمْ يرشُدُون ﴾ : ترجيه لإصابة الرشد وهو الحق الذى هو دين الله أو تعليل لما قبله ، قيل راجين الاهتداء أو ليهتدوا ، وقرئ بكسر الشي ، وذكر الله جل وعلا هذه الآية بعد ما أمرهم بالصوم والتكبير ، وبعد ذكر الشكر إيذاناً لهم بأنه عالم بما يفعلون ، فيثيبهم ، وذلك حمث على الصوم والتكبير والشكر .