187
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٤قلت : من خصه بالثلاثة فلعظمهن أو بكل جامع ، فلئلا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ، ومن خصة بكل مسجد له إمام ومؤذن فلأنه المسجد التام بالأذان والجماعة ، ولو كان فوقه أتم كالجامع فيخرج إليه للجمعة ، ومن خصه بالمسجدين فلأنهما أعظم المساجد الإسلامية ، وأقل الجمع اثنان حقيقة عند بعض ، ومن خصه بالمسجد الحرام فلأنه أعظم المساجد مع أن المراد عنده بالمساجد مواضع السجود . والمسجد الحرام مشتمل على مواضع سجود كثيرة ، وقرأ مجاهد المسجد بالإفراد والمراد الجنس ، ويحتمل المسجد الحرام والله أعلم .
ولا يجوز الاعتكاف عندنا إلا بصوم ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعى بجوز بلا صوم ، والأفضل الصوم ، واحتج بما رواه البخارى ومسلم عن عمر أنهُ قال : يا رسول الله إنى نذرت فى الجاهلية أن أعتكف فى المسجد الحرام . قال : فأوف بنذرك . ومعلوم أنهُ لا صوم بالليل ، وكذا قال قليل من أصحابنا يجوز بلا صوم ، وقيل يجوز فى غير المسجد ، وجاز للمرأة مع زوج أو محرم واتكافها فى بيتها أفضل ، وأقل الاعتكاف عشرة أيام ولا حد لأكثره ، وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها ، أن النبى - A - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله D ، ثم اعتكف أزواجه بعده ورويا عن ابن عمر أن رسول الله - A - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، وقيل أقله ثلاثة أيام ، وقلا مالك وأبو حنيفة والشافعى أقله يوم يدخل قبل طلوع الفجر ، ويخرج بعد غروب الشمس ، وقيل أقلهُ لحظة .
﴿ تِلْك ﴾ : الأحكام المذكورة فى الصوم والاعتكاف .
﴿ حدُوَدُ اللّهِ ﴾ : حدها لعبيده ليقفوا عندها ولا يرتكبوا ما يخالفها ، وقيل : حدوده فرائضه ، وقيل : مقاديره التى قضاها فى الأزل ، ولما صدق واحد ، وأصل ذلك كله من الحد بمعنى المنع والفصل بين الشيئين ، فإن قضاء الله فى الأحكام وغيرها لا يتخلف ، ويقال للبواب الحداد ، لأنه مانع ، وحدت المرأة امتنعت من الزينة ، ومن لم يقف عند حدوده بطل عمله وهلك فى الأمر الواجب ، فمن جامع معتكفاً بطل اعتكافه وهلك ، وقيل لا يهلك ، وفى لزوم الكفارة والبدل قولان ، وكفارته على التخيير كرمضان ، وقيل على الترتيب كالظهار ، وقال الحسن البصرى : إذا غشى اعتكف ، فإن لم يجد أهدى بدنه فإن لم يجد أطعم عشرين صاعاً ، وإن وطئ نسيانا أعاد اعتكاف يوم وصومه إن صام ، ولا يفسد بالتقبيل عندنا ، ومقدمات الجماع إلا إن أنزل بها ولو عمداً ، وتكره لئلا تؤدى إلى الجماع أو إنزال ، وبه قال أكثر علماء الأمة والشافعى وأبو حنيفة فى أصح قوليه ، وقال مالك : يبطل بالتقبيل ، وزعم بعض عن الشافعى فى أصح قوله وأكثر الأمة من العلماء أنه لا يبطل إن أنزل بلا جماع ، ولا خلاف فى جواز المس بلا شهوة ، ولما رواه البخارى ومسلم أن عشائة كانت ترجل رأسه - A - وهى حائض وهو معكف فى المسجد ، وهو فى حجرتها يناولها رأسه ، رواية كان لا يدخل البيت إلا للحاجة الإنسان ، أى لقضاء البول والغائط وللحوائج التى يضطر إليها الإنسان ، فما لا يفعل فى المسجد والترجيل تسريح الشعر .