209
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٢﴿ فأتنا بعذاب أليم ﴾ ﴿ فأمطر علينا حجارة مِن السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ ونحو ذلك ، وحكمة إتيان العذاب فى الغمام ، والإتيان بالغمام للعذاب ، أن الغمام مظنة العذاب ، ومنه ينزل المطر ، وإذا جاء العذاب من حيث لا يتوقع لا يسمى من حيث ترخى المنفعة كان أعظم على النفس لبعده عن وهمها ، ولذلك اشتد على المتفكرين فى كتاب الله D قوله D : ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ ، وزعم الكلبى وسفيان بن عيينة فى ذلك ومثله أنه لا يفسر ، بل يوكل إلى الله ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه : يقرأ ويفسر على ظاهره بلا كيف ولا تشبيه حتى قال قائلهم :
عقيدتنا أن ليس مثل صفاته … ولا ذاته شئ عقيدة صائب
نسلم آيات الصفات بأسرها … وإخبارها للظاهر المتقارب
ونويس عنها كنه فهم عقولنا … وتأويلنا فعل اللبيب المغالب
ونركب للتسليم سفنا فإنها … لتسليم دين المرء خير المراكب
وكلا القولين خطأ أما قول الكلبى وابن عيينة فلأنه جمود عن الحق مع ظهوره ، لأنا إذا أولناه بما ذكرنا فقد وافقنا سائر الآيات والأحاديث الناهية عن التشبيه ، ومعنى ذلك التأويل فى نفسه مجمع عليه لا مخالف فى ذاته ، وإنما خالف من خالف فى تأويل الآية به ، وإذا كان ذلك المعنى مجمعاً عليه فأيى مانع من تفسير الآية به ، وأما قول الزهرى ومن معه فلزم عليه إذا فسر به بظاهره الوقوع فيما فرو منه من التشبيه ، ولم يغن عنهم قولهم بلا تكييف ولا تشبيه ، وزعم الطبرى - قبحه الله - بسنده المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى A قال : « من الغمام طاقات يأتى الله - D - فيها محفوفاً ، وذلك ﴿ هَلْ يَنْظرُونَ : إلاَّ أن يأتيهُمُ اللّهُ فِى ظُلَلٍ من الغمام ﴾ »
﴿ وَالملائِكَةُ وقُضِىَ الأمْرُ ﴾ : قال عكرمة والملائكة حوله ، فإن صح ذلك فالمعنى : من الغمام طاقات يأتى عذاب الله D فيها محفوفاً ذلك العذاب بالغمام والملائكة حول الغمام لا حول الرب - تعالى عن الجهة - كام زعم زاعم . ومعنى قُضِىَ الأمر : فرغ من إهلاكهم ، وهو بمعنى يقضى نزل منزلة ما مضى لتحقق أنه وقع ، ولدنوه وذلك توعد فى الدنيا وهو الظاهر ، وبه قال ابن جريج ، وقيل ذلك كله يوم القيامة يفرغ من حسابهم ، كما قال بعض : إن ظهور الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها ، وهو ظاهر الرواية السابقة للطبرى عن ابن عباس وعكرمة ، وقيل إتيان الله تعالى وعيد بيوم القيامة وإتيان الملائكة وعيد يأتيهم عند الموت ، والظلل جمع ظلة ، وهى ما علا رأسك وأظلك ، وقرئ بكسر الظاء على أنهُ جمع : ظلة بكسرها ، أو جمع ظل ، والغمام السحاب الأبيض الرقيق الأصفى الأحسن ، سمى غماماً ، لأنه يغم ويستر ، وقيل : هو شئ غير السحاب لم يكن إلا لبنى إسرائيل فى تيههم ، وهو كهيئة الضباب الأبيض ، وعن النقاش : ضباب أبيض ، وفى متعلقة بقوله : ﴿ يأتى ﴾ إن جعلنا فى بمعنى الباء أو بمحذوف حال من اسم الجلالة إن قدرنا مضافا متعلقاً ، وقرئ بالجر عطفاً على الظلل ، أو على الغمام ، فإن الظلة كما تكون من الغمام تكون من الملائكة ، وقرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه ، وقضاء الأمر بالمصدر المرفوع عطفاً على اسم الجلالة ، أو على الملائكة ، ويجر الأمر على الإضافة .