218
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٣﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب ﴾ إلى قوله : ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ ، وموضع التحريم : ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ لأن المعنى فانتهوا كقوله تعالى : ﴿ أتبصرون ﴾ أى اصبروا ، وقوله تعالى : ﴿ قوم فرعون ألا يتقون ﴾ أى اتقوا ، وفيل موضع التحريم : ﴿ فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ ، والخمر فى الأصل مصدر خمره إذا ستره ، فسمى عصير التمر والعنب خمراً لأنه يخمر العقل ، أى يستره ، كما سمى سكراً ، لأنه يسكره أى يحجزه ، من قولك سكرت النهر إذا سددته ومنعته من جرى الماء ، والتسمية بالمصدر مبالغة فأما ما ( كان ) من عصير العنب والتمر - تمر النخل إذا غلى واشتد من غير نار - فاتفقت الأمة على أنه خمر نجس يحد شاربه ، ويفسق ويشرك مستحله ، كذا قيل ، وفى الاتفاق على نجسه نظر : فزعم سفيان الثورى وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعداهما إلى ما اتخذ من غيرهما كالحنطة والشعير والذرة والعسل ، إلا أن يسكر ، وقال : إذا بخ عصير العنب والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال مكروه ، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه فهو حلال مباح ، إلا أن السكر منه حرام ، فبشرب ما دون السكر إن لم يقصد اللهو والطرب ، ومذهب أكثر العلماء وهو مذهبنا ومذهب الشافعى : إن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر فيحرم قليله وكثيره ما يحد شاربه ، لقول عمر رضى الله عنه : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة أشياء : من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة ، والخمر ما خمر العقل يعنى إنهم كانوا يتخذونها قبل تحريمها من الأشياء الخمسة ، وأن كل ما خمر فهو خمر داخل فى التحريم ، وفى رواية أن عمر قال على منبر رسول الله A : ألا إن الخمر قد حرمت وهى من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل . وعن ابن عمر عن رسول الله A : « كل مسكر خمر وكل خمر حرام » ، وقال A : « ما أسكر الفرق منه فالكف منه حرام » والفرق : مكيال يسع سستة عشر رطلا ، وعن أم سلمة نهى رسول الله A عن كل مسكر ومُفَتِّرِّ ، أى ما يوقع الفتور فى الأعضاء ، وصنف أبو على الجبائى من المعتزلة ، صنف عدة كتب فى تحليل النبيذ ، فلما كبر سنه قيل : لو شربت منه ما تقوى به فأبى ، فقيل : قد صنفت فى تحليله . فقال : تناولته الدعارة فقبح فى المروءة ، أى تناوله الفسقة دون الصلحاء فقبح فى المروءة ، التشبه بهم ، ومثله ما روى عن بعض أصحاب أبى حنيفة : لأن أقول مراراً النبيذ حلال أحب إلى من أن أقول مرة هو حرام ، ولأن آخِّر من السماء فأتقطع قطعاً أحب إلىَّ من أن أتناول منه قطرة . . وعن على : لو وقعت قطرة من الخمر فبنيت مكانها منارة لم أأَذِّن عليها ولو وقعت فى بحر ثم جف ونبت الكلأ لم أرعه .