هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

218

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٦

وأنهم كانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحده مشئ ويتوارثون العداوة فى ذلك والمشاتمة ، لأخذ ماله بلا عوض ، وبلا رضاً من نفسه ، وفيه وفى الخمر شغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، وقد ذكر الله فى سورة المائدة ذلك الإثم لقوله : ﴿ إنما يريد الشيطان أو يوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴾ ، إلى قوله : ﴿ وعن الصلاة ﴾ ﴿ ومَنَافِع للناسِ ﴾ : ككسب الأموال : بالخمر واللذة بشربها ، وتقوية الضعيف وهضم الطعام ، والإعانة على الباه وتسلية المخزون ، وتشجيع للجبان ، وتسخية البخيل ، وتصفية اللون ، وتنعيش الحرارة الغزيزة والزيادة فى الحسة ، والمؤمن يكفيه إيمانه فى ذلك كله ، ويستغنى فى خبثها ، وكالتوسعة للفقراء المحتاجين بالميسر ، لأن نصيب الغانم منها عائد إليهم حتى إنه قد يحصل للواحد فى المجلس الواحد مائة بعير ، يفرقها للفقراء ويكسب المدح والثناء .

﴿ وإثْمُهما أكْبرُ مِنْ نَفْعِهِا ﴾ : أى الذنب الذى يحصل بهما كالاشتغال عن الصلاة والذكر بهما ، والضرب والشتم فى الخمر أكبر من النفع الذى يحصل بهما ، لأنه الذنب يضر بالآخرة ولو قصد بهما أمر الدنيا كالشجاعة فى الحرب والسخاء ، ونفع الفقراء ، فإنه لا عذر فى الاشتغال عن الصلاة والذكر ، ولا عذر فيما فعل السكران ، ولو قيل تحريم الخمر فإنه يعنف ويغرم ، وقيل الإثم للفساد فإما أن يراد أن المفاسد الدنية التى تحصل منها أكبر المنافع الدنيوية الحاصلة بها ، وإما أن يراد ما فيهما من الجناية كالضرب والشتم المؤديين إلى غرم الأموال ، وكالعداوة المورثة بالقمار فقيل إن الخمر حرمت بقوله : ﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ لأن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اتقضت تحريم الفعل ، وفى هذا القول تلويح بأن التحسين والتقبيح عقليان ، وهو مذهب المعزلة ، وهو باطل ، وعن ابن عباس والربيع : الإثم فيهما بعد التحريم يعنيان الذنب والنفع قبله .

﴿ وَيَسْألْونكَ ماذَا يُنْفِقُونَ ﴾ : قيل حثهم رسول الله A على الصدقة فقالوا : ما ذا ننفق ، وقيل سأل عمر وبن الجموح رسول الله A : ما الذى أنفق؟ أقليلا أنفق أم كثيراً؟ فكأنه قال : ما مقدار ما ينفقون؟ سأل هنالك عن نفس ما ينفق وعمن ينفق عليه ، وهنا عن كميته واللفظ واحد ، ويعلم ما سأل عنه فى ذلك من الجواب فى الموضعين ، فإن لاجواب بالعفو وما هو تيسر دليل على أن السؤال عن الكمية هنا ، ولو كان كثيراً ما يجاب بيغر ما سئل عنه لعلة ، وإنما يجمع مع أن السائل واحد ، لأن غيره راض بسؤاله مصغ إلى الجواب ، ومحتاج إلى ما احتاج إليه من السؤال ، وربما أنفقوا أيضاً فقدموا للسؤال قبل أن ينزل آية الزكاة .

٨٢٦ / ٧٬٦٨٠