هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

218

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٧

قال القرطبى : لما نزل فى سؤال عمرو بن الجموح : ﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ﴾ ، قال أيضاً : كم أنفق؟ فنزل قوله تعالى :

﴿ قُلِ العَفْوَ ﴾ : أى قل أنفقوا العفو وهو ما تيسر ، بأن فضل عن الحاجة ، فكان سهلا لا مشقة فى إنفاقه ، فكأنه قال أنفقوا ما سهل وتيسر ، ولم يشق عليكم إنفاقه ، ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه ، فتضيعوا أنفسكم ، قال الشاعر يخاطب زوجته :

خذى العفو منى تستديمى مودتى … ولا تنطقى فى سورتى حين أغضب … فإنى رأيت الحف فى الصدر والأذى … إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب … أى خذى من أخلاقى ما يكون سهلا ، ولا تنطقى فى حدتى وشدة غضبى . وعن ابن عباس رضى الله عنهما : العفو من المال ما فضل عن حاجة العيال ، كما يقال للأرض السهلة عفو ، وأصل العفو الزيادة أو الكثرة ، وهو ما زاد عن حاجة العيال . وروى أن رجلا أتى رسول الله A ببيضة من ذهب أصابها فى بعض الغنائم فقال : خذها منى صدقة ، فأعرض عنه ، فأتاه من الجانب الإيمن فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه ، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه ، فقال : هاتها مغضبا فأخذها فحذفها حذفاً لو أصابه لشجه أو عقره ، ثم قال : « يأتى بأحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر غنى » والحذف : بالحاء المهملة الرمى ، والتكفف : السؤال بالكف ، أو سؤال الكفاف ، وظهر الغنى : التمكن على الصدقة بحسب الغنى ، وذكر الظهر؛ ليدل على الاستظهار عليه بالغناء ، فكان الرجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ومن ماله وما يكفيه فى عامه وينفق باقيه إلى أن فرضت الزكاة فنسخت هذه الآية ، وعن الحسن عنه A : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول ولا يلوم الله على الكفاف » ، وعن جابر بن عبد الله عنه A : « إذا كان أحدكم فقيراً فلبيدأ بنفسه ثم بمن يعول ، ثم قرابته ، فإن فضل شئ فهاهنا وهنا » يشير إلى يمينه ويساره وأماه وخلفه ، وقيل : العفو ما زاد على ألف درهم بنفقه ويمسك الألف أو قيمتها ذهباً ، وقيل : يمسك ثلث ماله وإن كان أهل ثمار أسمك ما يكفيه عامه ، وإن كان يكسب أسملك ما يكفيه يومه ، فشق ذلك فنزلة ( الآية ) الزكاة ، وعن ابن عباس : العفو القليل الذى لا يتبين خروجه من المال ، ومثله عن طاووس ، وقال الحسن وعطاء : ما ليس إسرافاً ولا إقتار ، وعن مجاهد : العفو الصدقة عن ظهر غنى وقال قتادة : العفو أفضل اتلال وأطيبه ، وقال الربيع : العفو ما كاب ، من المال ، وقيل : العفو ما لا إسراف فيه ولا إقتار ، وقيل : لو كان الآية فى الزكاة لبينت فيها وليس كذلك لجواز إن تبينه السنة ، وأجاز أبو مسلم أن يكون العفو الزكاة ، ذكرت إجمالا السنة الأولى ، فكانوا يصدقون ما يفضل عن العام ، ذلك تفويض فيها إلى رأيهم ثم فصلت فى الثانية وأجير أن تكون الزكاة ذكرت إجمالا فى الآية ، وذكرت فى غيرها تفصيلا ، وفى وقت إجمال الآية يعملون بالتفصيل ، وقرأ أبو عمر وبرفع العفو ، أى هو العفو .

٨٢٧ / ٧٬٦٨٠