254
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٤.
﴿ ولاَّ يُحيطُون بِشَىءٍ مِنْ عِلْمهِ إلاَّ بما شَاءَ ﴾ : أى لا يعلمون شيئا من جمَّيع وجوهه ، وجوده وجنسه ، وقدره إلى ما شاء الله أن يعلموه ، فالإحاطة بالشئ معرفته من كل وجه ، والعلم المعلوم ، أى من معلوماته ، وعطف الجملة على ما قبلهما لأنهما معاً فى تفرده تعالى بالعلم الذاتى التام ، وإنما أثبت ما شاء لخلقه ، لأن العلم بمعنى المعلوم ، فالمعلوم واحد والعلم مختلف ، علم الله ليس كعلم المخلوق ، ويجوز أن يكون ما شاء علمه الناس بالوحى .
﴿ وَسِعَ كُرْسِيه السَّمواتِ والأرْضَ ﴾ : هو جسم عظيم محيز بالسموات والأرض أما العرش ، لقوله A : « ما السموات والأرضون السبع مع الكرسى إلا كحلقة فى فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة » ومعنى إحاطته بالسموات والأرض أنه أوسع منهن ، فإنه أمام العرش دون العرش فوق السموات السبع ، وقال A : « السموات السبع فى الكرسى إلا كدراهم سبعة ألقيت فى ترس » ، وراه ابن عباس ، وذكروا أن كل قائمة من قوائم الكرسى طولها مثل السموات والأرض ، وأن الكرسى تحمْلهُ أربعة أملاك ، لكل ملك أربعة أوجه وأقدامهم على الصخرة التى تحت الأرض السابعة السفلى ، ملك على صورة آدم يسأل الرزق والمطر لبنى آدم من السنة إلى السنة ، وملك على صورة الثور يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة ، وملك على صورة النسر وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة ، وأن بين حملة الكرسى وحملة العرش سبعين حجابا من ظُلْمة ، وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ، ولولا ذلك لاحترقت حملة الكرسى من نور حملة العرش ، وقال السدى : الكرسى تحت الأررض ، والصحيح الأول وعيله فقيل يمكن أن يكون هو فلك البروج . وقال الحسن : الكرسى هو العرش ، لأن السرير يوصف بأنه عرش ، وبأنه كرسى ، لأن كلا منهما يتمكن عليه المخلوق ولا يوصف الله بالعقود ولا بالقيام ولا بالتحيز ، ولكن العرش والكرسى خلقان من مخلوقاته ، كما خلق السموات والأرض لحكمة ، والكسى فى الأصل اسم لام يقعد عليه الإنسان ولا يفضل عن مقعدته ، وكأنه منسوب فى الأصل إلى الكرسى بكسر الكاف ، وهو الأبوال والأبعار المتلبد بعضها على بعض ، وقد قيل : إن كراسة الكتاب سميت لتركب بعض أوراقها على بعض ، وقال ابن عباس : كرسيه تعالى علمه ، كما يطلق على كرسى العالم على علمه تسمية لصفة العالم باسم مكانه الذى هو الكرسى ، أو تشبيها للعلم بالكرسى ، من حيث إن كل واحد منهما أمر يعتمد عليه ، وقيل كرسيه ملكه ، لأن الملك يجلس على الكرسى ، فيسمى الملك بالضم باسم كان الملك بفتحها ، لأن الكرسى محل الملك ، فيكون محلا لملكه ، وفى الميم سميت كراسة الكتاب لما فيها من العلم ، وهذا يناسب القول الأخير والقول بأن كرسيه علمه ، وقيل قوله : ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ تمثيل لعظمته تعالى ، وليس المراد الجسم المذكور فى الأحادث ، وفيه خروج عن الظاهر ، ووجهه أنه تعالى خاطب الخلق بما يعرفون فى ملوكهم ، كما جعل الكعبة بيتاً يطوف الناس حوله ، كما يطوف بيوت ملوكهم ، وأمر الناس بزياره كما يزور الناس بيوت ملوكهم ، وذكروا أن الحجر الأسود يمين الله فى أرضه ، جعله موضعاً للتقبيل ، كما تقبل الناس أيدى عظمائهم ، وكما أثبت الميزان بمعنى تجويد الحساب وإتقانه ، فكذلك أثبت العرش والكرسى : ﴿ ولا يُوده حفظُهما ﴾ : لا يثقله حفظ هذين الفريقين الاثنين أحدهما السموات والآخر الأرض ، من الأود بمعنى الاعوجاج ، ومن حمل ثقيلا يميل به جسده ، يقال آجه بمعنى أثقله ، ولحقته نمه مشتقة وحفظ مصدر مضاف للمعفول ، والفاعل غير مذكور ، وهو الله ، أى حفظه إياهما مع عظمهما ، فلا يشق عليه شاق .