259
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٧﴿ وانْظُرْ غلى حِمَارِكَ ﴾ : ول وهب ابن منبه : انظر إليه كيف زال ، لحمه وتفرفت عظامه ، وبليت ، وكان له حمار قد ربطه ونحييه الآن وأنت ترى ، وقال الضحاك ووهب بن منبه فى رواية عنه : انظر إليه حيا سالما فى مربطه بلا علف ولا شراب بإذن الله ، والحبل المربوط به جديد بقى فى عنقه جديداً والقادر على إحيائه مائة عام بلا طعام ولا شراب قادر على إحياء هذه ، الكلام ليس فى الإبقاء على غير العادة ، بل فى رد ما فات ، وإنما يتم الاستدلال الذى مر على القرية ويتحقق برؤيته حماره ميتاً ثم يراه يحيى وبنفسه إن رأى نفسه تحيا شيئا فشيئا ، وبوجود أولاده شيبا وهو شاب ، وإلا فالمعاند لا يكتفى بقول الله تعالى : ﴿ قد لبثت مائة عام ﴾ فغنه يكذب المائة أيضاً ، وكذا يزداد يقين الموقنين بذلك ، وإنما مد على الكل ما قال الله تعالى والأنبياء والمسلمون :
﴿ وَلنجْعلكَ آيةً للنَّاسِ ﴾ : أى وفعلنا ذلك لنجعلك آية للناس ، يؤمن بها المنكر للبعث ، إلا إن عاند ، وبزداد بها إيمان المؤمن به ، وقبل الواو زائدة فجاء قومه وقرأ لهم التوراة بلا نظر ، وقد فقدت كتبها وحفاظها ، ووجدوا نسخة تطابق ما يقرأ وأخبرهم بأخبار صدق ، ووجد أولاد أولاده شيوخا ، فهم إذا حدثهم بشئ قالوا حديث مائة سنة .
﴿ وانْظُرْ إلى العِظَامِ ﴾ : عظام حمارك ، قال له ذلك بعدما أحياه كله ، وبقيت عظام حماره ، فأحيا حماره شيئاً فشيئا وهو بنظر ، أو انظر إلى عظام نفسك وقد أحيا الله رأسه إلى عينيه ، أو عظامه وعظام حماره ، أو عظامهما وعظام الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ، وليس ينظر غلى ذلك كله بمرة ، بل ينظر غلى نفسه ثم غيره وقد مر قول أن حماره لم يمت .
﴿ كَيْفَ نُنْشِزُها ﴾ : نحييها ونبعثها من موتها ، وقرئ بفتح النون الأولى وضم الشين من نشر ، بمعنى انشتر وقرأ الكوفيون وابن عامر ننشرها بالراء المعجمة ، وضم النون الأولى ، وكسر الزاى أى نفرعها بعضها إلى بعض لنركبها ونحييها ، يقال انشره فنشر بالراء ، وانشزه فنشر بالراء ، وكيف حال من ضمير ننشزها المنصوب أو المرفوع المستتر ، وجملة كيف ننشرها مفعول انظر ، ساغ علمه فى جملة الاستفهام ، ولو جعلنا الجملة بدلا من العظام ، أو من مضاف مقدر ، أى إلى حال العظام أو أول ننشز بالمصدر ، وجعل بدلا لكان المعنى صحيحا ، لكن لا نعرف كيف حرف مصدر إلا ما يتكلف من يتكلف فى المسألتين ، ولا نقبل عنه ، وقال أبو البقاء : كيف ننشرها حال من العظام .
ثمَّ نَكْسُوها لحْماً } : تغطيها بلم ، ونجعله كاللباس عليها ، أو هم اللحم الذى كان عيلها قبل ، ولم نذكر له ما يتخلل وما فى دخل اكتفاء بما يظهر ، وأما الجلد فمتصل بالجلد بل هو لحم غليظ .