سورة اللّيْل
الجزء ١ · صفحة ١٨٢قال الله تبارك وتعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالاُنثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى): يقسم الله بظاهرتين كونيتين اللّيْل والنّهار ويضفي على كلّ واحدة منهما الصّفة التي تختصّ بها، فاللّيْل يغطّي بظلامه وجه الأرض الذي يختفي عنه الشّمس، فيسكن كلّ ما عليه ويخلد للرّاحة والنّوم ويتجلّى النّهار بوجهه المشرق من الجهة الأخرى للأرض في تعاقب دائب ونظام دقيق لا يتخلف، وهما آيتان من آيات الله جديرتان بالتّأمّل والتّدبّر قد نغفل عنهما بحكم الإلف والعادة، يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) (الإسراء:12).
ولعل في تقديم اللّيْل على النّهار في هذه السّورة التي تعتبر من أوائل القرآن نزولا، لعلّ في ذلك إشارة لطيفة إلى وضعية الدّعوة الإسلامية في منطلقها بمكة وهي ما تزال مغشاة ومغمورة بظلام الكفر سيشرق بعهدها نهار النّصر والظهور.
ومع القسم بهاتين الظّاهرتين المختلفتين يقسم الله بخلقه الأنواع مختلفين في الجنس الذّكر والأنثى تركيزا على تقرير ظاهرة الاختلاف لبيان آثار ذلك في المقسم عليه وهو قوله تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى). وقانون الزّوجية شامل مطّرد في جميع الأحياء من حيوان أو نبات، بل حتى في غير ذلك من عناصر المادة كما أثبته العلم الحديث وكما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الذِي خَلَقَ الاَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الاَرْضُ وَمِنَ اَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ) (يس:36).