سورة التّكاثر
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩وأما زيارة القبور من طرف الأحياء في مناسبات للاعتبار والاتعاظ فهي مباحة مرغوب فيها شريطة مراعاة الآداب الشّرعية، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترقّ العين، وتدمع العين وتذكّر الآخرة، ولا تقولوا هجرا».(1)
والزّيارة مباحة للرجال والنّساء شريطة عدم الاختلاط والكف عن كل المنكرات التي يمارسها البعض من تقديس القبور أو تزينها أو التّوسّل بها كما يفعل كثير من الجهلاء، إذ أوصى رسول الله في القبور أن تبقى بسيطة لا يميز فيها بين غني أو فقير. وعلّم زوجه عائشة أن تقول: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط ونحن اللاحقون، اللّهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم».(2)
وبعد هذه الافتتاحية الزّاجرة يأتي الوعيد بما بعد الموت: (كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ): (كَلاَّ) للرّدع والزّجر، تكررت ثلاث مرات، لإبطال ذلك التّكاثر، أي كفوا عن ذلك التّهافت على حطام الدّنيا، وكرّر الجملة الرّدعية مرّتين مراعاة لواقع المخاطبين وهم لا يؤمنون بما يستقبلهم من المحاسبة ومن المتابعة على أعمالهم، وقد حذف المفعول من جملة: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) لتقديره الذهني لديهم، أي تعلمون مغبّة لهوكم بالتّكاثر، فالتّكرار لأجل الضّغط والمبالغة للفت الانتباه، ولكن ابن عباس يرى أنّ الجملة الأولى يراد بها التّنبيه إلى ما ينتظرهم من عذاب القبر، ويراد بالثّانية ما ينتظرهم في موقف الحساب، والله أعلم.