نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة العصر

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

لا تبلغ المجد حتى تلعق الصَّبِرا

ج) - البيان والتّفسير:

قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، اِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

إن هذه السورة الكريمة على قلّة آياتها، عظيمة الشّأن في معانيها، يقول عنها الإمام الشّافعي: "لو تدبّر النّاس هذه السّورة لوسعتهم". وذلك ما أدركه الصّحابة رضوان الله عليهم حين كانوا لا يفترقون إلا أن يقرأ أحدهم على صاحبه هذه السّورة.

افتتحها الله بالقسم بكلمة: (الْعَصْرِ)، هكذا مجرّدة عن أية صفة أو إضافة تحدّد وقتا أو حدثا معيّنا، كما تأوّله بعض المفسّرين فقالوا: هو عصر التّنزيل أو عصر الأمة الإسلامية بصفة عامة. أو هو وقت صلاة العصر … إلخ. وتحاشوا أن يقولوا: هو الدّهر، بزعمهم أنه زمن الدهريين الذين ينكرون وجود الله. ونحن لا نرى مثل تلك الاحتمالات، إذ أننا عند بحثنا للمناسبة بين المقسم به والمقسم عليه وهو قوله تعالى: (إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، وجدنا أنّ الأنسب للحكم على الإنسان بالربح أو الخسارة لا بد وأن يكون مرتبطا بوجوده كما قدّره الله في الإطار الزّماني والمكانيّ بحلقاته الثّلاث الماضي والحاضر والمستقبل. فاختيار كلمة: (الْعَصْرِ) للزمان الممتدّ الدّائب بلا توقف وهو يلفّ الخلائق ويعتصرها بتقلباته ما بين اللّيل والنّهار وتوالي الفصول وما يقدّره الله فيه من تبدلّ الأحوال في متناقضات لا ينتهي مسلسلها، والإنسان يتحدّد وجوده في حضن ذلك الزّمان كما تتحدّد وظيفته وهو معرّض للاختبار والامتحان، فلحظات عمره كلها وما وهبه الله فيها من طاقات مادية أو معنوية يسخرها للخير أو للشّرّ، إنما هي مرتبطة وممتزجة بهذا الزّمان الدّؤوب، ومن ثمّ نلاحظ تلك العلاقة العضوية بين الزّمان والإنسان مما يدلّ على قدرة الخالق وكمال صنعه.

٦٬٤٣٢ / ٦٬٧٦٧