نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة العصر

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

ولا شك أن الله تعالى لا يقسم بشيء من مخلوقاته إلا لما يكون لها من العظمة والقدر، فما هي عظمة العصر المقسم به هنا؟. وحين نستقرئ آيات القرآن نجد كثيرا منها تشيد بعظمة الزّمان في ليله ونهاره وفي سرّائِه وضرائه، وفي تداول الأيام بين النّاس وانقسام العصر إلى القرون والسّنين والأشهر والأيام والسّاعات … إلخ.

وليس للعصر -كما يتوهّم الدّهريون الماديّون- تأثير في ما يقع فيه من أحداث، بل الله تعالى هو المدبّر الحكيم والمتصرّف القدير في تقرير تلك الأحداث وتقدير تلك الأحوال، وما العصر إلا ظرف زمنيّ هو مجلى لإنفاذ مشيئته تعالى.

والمقسم عليه هو قوله تعالى: (إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، جاء الحكم الإلهيّ على الإنسان بأنّه في خسر، جاء مؤكّدا بـ (إِنَّ) ولام الخبر، وبالجملة الإسمية، و"أل" في لفظ: (الاِنسَانَ) للجنس العهدي، فيشمل كل إنسان بلغ سنّ التّكليف، ويؤيّد هذا العموم مجيء المستثنى بعده بصيغة الجمع، والتّعبير: بـ (فِي) يدلّ على الإحاطة والغمر، أي إن الخسر يلفّ هذا الإنسان ويغمره، والخسر أو الخسران هو النقص مما يملكه المالك من ماله أو غيره، وهو نقيض الرّبح، استعمل ماديّا في التّجارة في نقصان رأس المال أو ذهابه، ثم نقل إلى المجال الدّينيّ في الضّلال عن الحق الذي يؤدي إلى فقدان السّعادة الأبدية وهو أفدح الخسر، وآيات القرآن تؤذن بأنّ الخسر يتعلق بالنّفس والمال والأهل والعمل. قال تعالى: (قُلِ اِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزّمر:15). وتنكير: (خُسْرٍ) للإطلاق غير محدود بقيد، وذلك لإفادة التّهويل والتّضخيم.

٦٬٤٣٣ / ٦٬٧٦٧