سورة الهُمزة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩والافتتاحية بالويل توحي بحقارة ذلك الأنموذج من النّاس ممن أصيبوا بهوس المال، فاعتبروه الإله القادر على كل شيء، وجعلوه القيمة العليا في الحياة، فلا يزنون الأشياء إلا بها. يقول المولى تبارك وتعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ)، والويل: كلمة تهديد بالعذاب وسوء الحال، وفيها معنى الدّعاء بذلك، ويتوجّه هذا التّهديد الرعيب لكل همَزة لمزة، وهما صفتان لموصوف مقدّر جاءتا على صيغة المبالغة للدلالة على أن الموصوف بهما قد تمكّنت من طبعه اللئيم هاتان الصّفتان حتى أصبحتا سجيّة فيه، وهما من الهمز واللّمز، أي إظهار عيوب النّاس والطّعن في أعراضهم تحقيرا لشأنهم وحطّا من كرامتهم، وقد يتمّ ذلك بمواجهتهم فهو اللّمز، أو في غيبتهم فهو الهمز، ويتمّ ذلك باللّسان أو بالإشارة بالعين أو بالشدق أو بالرّأس … إلخ، ومن الرّسوم الكاريكاتورية في هذا العصر، وتقليد حركات الإنسان وأقواله بسخرية أو لإضحاك النّاس.
(الذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ، يَحْسِبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ): يلاحظ أن جمع المال وتعداده جاء مكتنفا بصفات لموصوف مقدّر -كما تقدم- هي صفات ذميمة جاء الوعيد الشّديد لمن اتصف بها، ويبقى جمع المال في حدّ ذاته ليس مذموما في الإسلام إذا اكتسبه صاحبه من حلال وأدّى حق الله فيه، ولذلك انصبّ الويل والتّهديد على المغرور بالمال إذا سخّره في ما يؤذي غيره أو في الصّدّ عن سبيل الله، كما قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (الأنفال:36).