سُورة المسَد
الجزء ١ · صفحة ٣٠١قال الله تبارك وتعالى: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)، وفي ما ورد من أسباب النّزول ما رواه الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد على الصّفا فنادى: يا صباحاه، -كلمة تقال للإنذار من عدوّ يصبّح القوم-، فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدّثتكم أنّ العدو مصبّحكم أو ممسّيكم، أكنتم تصدّقوني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا، تبّا لك. فنزلت السّورة»(1)، ويروى أنه أخذ حجرا بيده ليضربه.
قلت: وقد تعدّدت إذايات أبي لهب لابن أخيه رسول الله، وحسبه خزيا ومعرة أنّه خرج من إجماع بني هاشم عندما أجمعوا على حماية رسول الله من قريش بدافع العصبية القبلية، وأيّد مقاطعة قريش لهم، وكان اسمه مذكورا مع أسماء زعماء قريش في صحيفة المقاطعة.
ثم إنّه أمر ولديه عتبة وعتيبة بتطليق بنتي رسول الله رقيّة وأمّ كلثوم بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، ففعلا ليثقل كاهل الرّسول بمؤونتهما في زعمه.
ولم تكن زوجه أمّ جميل بأقلّ من زوجها رعونة وإذاية لرسول الله، إذ كانت متعاونة معه، إذ اشتد غضبها بعد نزول هذه السّورة التي صوّرتها في هيئة مزرية تثير السّخرية، فحاولت أن تضرب رسول الله بحجر وهو مع أبي بكر عند الكعبة، ولكن الله حال بينها وبين الرّسول، إذ أغشى بصرها فلم تعد ترى إلا أبا بكر.
وهذا غيض من فيض من الأمثلة لإذايات هذين الزّوجين، فكان من غيرة الله على رسوله أن أنزل في شأنهما هذه السّورة قرآنا يتلى إلى قيام السّاعة، يصبّ اللّعنة ويدعو لهما بالتباب، وصدق الشّاعر الذي قال:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهنّد
(1) - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب التفسير، باب قوله: (وَتَبَّ، مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)، رقم 4972.