نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة الفلق

الجزء ١ · صفحة ٣١٠

عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) و (قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات».(1)

قلت: وهذا إرشاد لما يجب أن يلتزم به الرّاقون للاستشفاء، وإن كان القرآن كله زقّ عسل كما يقال.

(قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِن شَرِّ مَا خَلَقَ): وفي سبب النّزول نقل الدّكتور الزحيلي عن البحر المحيط قال: "السّبب: قصّة سحر لبيد بن الأعصم اليهوديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها، فإنّه سحره في جُفّ قشر الطّلع فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروز بالإبر، فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. ووجد صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام فكأنما نشط من عقال، وجعل جبريل عليه السلام يرقي رسول الله فيقول: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك".(2)

ذكر أغلب المفسّرين هذه الرّواية الأحادية، على أنها وقعت في المدينة، وقد رجحنا أن السّورة مكيّة، وذلك يضع هذه الرّواية في شك من صحتها، بالأخصّ أنها تخالف أصلا من أصول الاعتقاد، إذ تتعارض مع العصمة النّبوية في التّبليغ، وأن كل فعل أو قول أو تقرير لرسول الله هو سنة وشريعة، إذ كيف يسحر رسول الله ويتأثر بسحر يهوديّ يكنّ له العداء، والقرآن ينفي صفة السّحر عنه مما يتهمه به المشركون فيقول تعالى: (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا) (الفرقان:8).

(1) - تقدم تخريجه: ص 530.

(2) - التّفسير المنير: 30/ 472. وانظر: صحيح البخاري، كتاب الطب، باب السحر، رقم 5763.

٦٬٤٨١ / ٦٬٧٦٧