3
الجزء ٤ · صفحة ٢٢٢﴿ وَرَضِيتُ لَكُم الإسلامَ دِينًا ﴾ : اخترته لكم حال كونه دينا عظيما من بين سائر الأديان ، أو نصب على نزل الجارن أى لطاعتى أى لتطيعونى به ، أو مفعول لأجله على القول بجوازه ولو لم يتحد الفاعل ، ولا دين عند الله سواه على أن يراد به الأيمان الكامل والعمل بمقتضاه ، فمعناه أخرجتكم أيها الأمة من الشرك ، وأجنبتكم شرك أهل الكتاب أيضا ، أو رضيت لكم هذه الشريعة دينا ، وفضلتكم بها .
وقد كانت غيرها شرائع من الله مقبولة كما قال : ﴿ هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ﴾ ولا مانع من اطلاق الاسلام على هذه الشريعة ، كما أطلق فى الوجه الأول على خلاف الشرك من دين الله ، ومعنى رضاه لنا بالاسلام أنه مازال ينزل منه جزء حتى تم ، فلما تم قال : قد تم واخترته لكم تاما ، وكذلك كلما نزل جزء قد رضى لنا ذلك الجزء أو اليوم الذى رضيه لنا فيه ، وهو زمان بعثه صلى الله عليه سلم الى أن مات فما بعده تبع له .
قال جابر بن عبد الله : سمعت رسول الله A يقول : « يقول جبريل : قال الله D هذا دين ارتضيته لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه » وذكر بعضهم أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يهددون به فيهلكون الى النار الا دين الاسلام ، فيبشر أهله فيجىء فى صورة حسنة فيقول : يا رب أنت السلام ن وأنت سميتنى الاسلام ، فيقول : اياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجازى .
﴿ فَمَن اضطُرَّ فى مَخمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإثمٍ فَإنَ اللهَ غَفُورُ رَّحِيمٌ ﴾ : هذا متصل بقوله : ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ وما بينهما معترض مقرر لتحريم ذلك الفسق ، ومبين أن مجانبته من جملة الدين التام ، والنعمة التامة ، والاسلام المرضى الذي لا يقبل سواه ، والمعنى : فمن ألجأه الله بقدره وقضائه الى أكل بعض ما حرم مما مر ذكره فى مجاعة ، وخاف الموت ، أو ذهب عضوا من أعضائه فأكله حال كونه غير مائل الى اثم ، بأن لم يسافر فى معصية ، ولم يفعل فيه ، أو فى حضر ما يضطره لذلك ، لأن الحضر والسفر فى ذلك سواء ، ولم يأكل أكثر مما يحيى رمقه على حد ما مر فى قوله تعالى : ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ فان الله لا يؤاخذه بأكله ، لأنه غفور رحيم ، فاضطر ماض مبنى للمفعول وفاعله الله .
ومعنى اضطره الله أنه وقع فى الضرر بقدر الله ، ولو كان سفره مثلا الى أن وقع فى ذلك باختياره ، بل لو أجبره الله حتى وقع فى ذلك لم يجب عليه أن يبيح له المحرم ، بل له أن يحرمه فيموت ، ولكن لا اجبار من الله أو الفاعل الانسان ، أى فمن اضطر نفسه بأن أوقعها بسبب سفر أو غيره فى الاحتياج الى القوت من المحرم ، ومتعلق اضطر محذوف أى اضطر الى أكل بعض تلك المحرمات ، والمخمصة المجاعة ، وغير حال من المستكن فى اضطر ، ومتجانف مائل ، واللام فى الاثم بمعنى الى ، أو للتعدية أو للتعليل ، أى غير مائل عن الحق وهو مثلا أكل ما يحيى رمقه لأجل ارادة غيره وهو الزيادة ، وان الله غفور رحيم تعليل قائم مقام الجواب ، وسميت المخمصة مخمصة لخموص البطن أى خلوه عند الرجوع .