هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

14

الجزء ٤ · صفحة ٢٥٦

فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً وقال لكل واحد منهم : أنت خالصتى ، وقد رأيت عيسى فى المنام فرضى عنى ، وقال لكل واحد منهم : أنى غداً ذابح نفسى فادع الناس الى نحلتمك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه وقال : انما أفعل لمرضاة عيسى .

فلما كان يوم ثالثة ، دعا كل واحد منه الناس الى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة من الناس ، فافترقت النصارى ثلاث فرق : نصطورية ، ويعقوبيةن وملكانية ، ويقال : ملكية ، فاختلفوا واقتتلوا ، فقال الله تعالى : ﴿ وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك بوقهم بأفواههم ﴾ ولم يذكر الله تعالى قولا مقروناً بالأفواه والألسن الا كان ذلك زوراً .

ويروى أن بولس يهودى الخ ألقى العداوة بين اليهود والنصارى ، كان بينهم وبين النصارى قتال كثير ، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، وأراد أن يحتال بحيلة تقع بها العداوة والبغضاء بينهم ، فيتقاتلوا بها الى يوم القيامة ، فغاب عنهم زماناً طويلا ، ثم جاءهم وجعل نفسه أعور وقال لهم : أتعرفوننى؟ قالوا : أنت الذى فعلت ما فعلت فينا من القتل ، قال : قد فعلت ذلك كله الا أن الله سبحانه وتعالى قد وفقنى للتوبة والرجوع الى الحق ، بسب أنى رأيت عيسى عليه السلام فى النوم ، نزل من السماء فلطم وجهى لطمة فقأ بها أحدى عينى وقالك أى شىء تريد من قومى؟ أما تستحيى من الله! أما تخاف عقابه! فخررت ساجداً لله تعالى بين يديه ، وتبت على يديه ، وعلمنى شرائع دينه ، وأمرنى أن ألحق بكمن وأكون بين ظهرانيكم ، وأعملكم شرائع دينكم كما علمنى عيسى فى المنام .

فقبلوه ، واتخذوا له غرفة ، فصعد تلك الغرفة ، وفتح كوة الى الناس فى الحائط ، وكان يتعبد فى الغرفة ، وربما اجتمعوا اليه وسألوه فيجيبهم من تلك الكوة ، وربما يقول قولا كان فى الظاهر منكراظً فيذكرون عليه القول فيفسره تفسيراً يعجبهم ، فانقادوا له كلهم ، وكانوا يقبلون قوله فى جميع ما يأمرهم به .

فقال يوماً من الأيام : اجتمعوا عندى ، وقد حضرنى علم أبثه لكم ، فاجتمعوا فقال لهم : أليس الله تعالى خلق هذه الأشياء فى الدنيا لمنفعة ابن آدم؟ كقالوا : نعم ، فقال : فلم تحرمون على أنفسكم من بينها الخمر والخنزير ، وقد خلق لكم ما فى الأرض جميعا ، فأخذوا قوله ، فاستحلوا الخمر والخنزير .

ولما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال : حضرنى علم اسمعوا ذلك منى وانتفعوا به ، فقالوا : ما هو؟ فقال لهم : من أين تطلع الشمس من نواحى الأفق؟ فقالوا : تطلع من قبل المشرق .

١٬٧٥٦ / ٧٬٦٨٠