27
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٩والقربان ما يتقرب به مطلقاً ، المراد هنا ما يتقرب بها لى الله D من صدقة أو ذبيحة أو عبادة ، وهو فى الأصل اسم مصدر بمعنى تقرب أو تقريب ، ولذلك صح لفظه لقربانين قربان هابيل وقربان قابيل ، ويجوز أن يلاحظ معنى قرب كل واحد قربانه ، فصح الافراد أيضاً وكان اذا تقبل الله قربان أ؛د نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها ، والا لم تنزل ولم تأكلها ، وتأكل الطير الدواب ، وكان قابيل صاحب زرع ، فتقرب بصرة قمح ردىء وأضمر فى نفسه لا أبالى أتقبل منى أم لم يتقبل ، لا يتزوج أحد غيرى أختى ، وكان هابيل صاحب غنم ، فعمد الى كبش هو أحسن كباشه فقربه وأضمر فى نفسه رضا الله تعالى فوضعا قربانهما على جبل صعداء ، هما وآدم ، ثم دعا آدم فنزلت النار من السماء ، فأكلت قربان هابيل ، ولم تأكل قربان قابيل .
وقيل : قرب هابيل كبشاً سميناً من خيار غنمه ، ولبنا وزبداً وأضمر التسليم لأمر الله والرضا به ، وعن اسماعيل بن رافع : أن هابيل نتج له كبش في غنمه فأحبه ، ولم يكن له مال أحب اليه منه ، وكان يحمله على ظهره ، ولما أمر بالقربان قربه فأكلته النار واللبن والزبد ، وذلك الأكل رفع له ، فمازال يرتع فى الجنة حتى فدى به اسماعيل من الذبح ، تقرب بجمل سمين وأيا ما كان فقيد به تقبل قربانه وحده كما قال الله جل وعلا :
﴿ فَتُقُبِّلَ ﴾ : أى القربان .
﴿ مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ الآخرِ ﴾ : قربانه وهو قابيل ، فغضب وحسد أخاه هابيل و أضمر عليه ، ولما أراد آدم أن يزوزر الكعبة قال للسماء : اخفظى ولدى بالأمانة فأبت ، وقال للأرض فأبت ، وقال لقابيل : احفظ ولدى بالأمانة ، فقال : نعم ترجع وتراه كما يسرك ، فرجع آدم وقد قتل قابيل هابيل ، فزعم بعض أن هذا هو المراد فى قوله تعالى : ﴿ انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض الجبال ﴾ الآية فالانسان الظلوم الجهول قابيل ، حمل أمانة أبيه وخانه ، لما غاب آدم أتى قابيل الى هابيل وهو فى غنمه وقال : لأقتلنك ، قال : ولم؟ قال : لأن الله تعالى تقبل قربانك ولم يتقبل قربانى ، وتنكح أختى الحسنة وأنكح أختك الذميمة ، فيتحدث بنو آدم أنك خير منى وأفضل ، ويفتخر ولدك على ولدى ، قال : فما ذنبى انما يتقبل الله من المتقين كما قال الله .
﴿ قَالَ ﴾ : أى الآخر .
﴿ لأقتُلَنَّكَ قَالَ ﴾ : الأول المتقبل منه .
﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ : أى قال : لا ذنب لى أستوجب به أن تقتلنى ، وانما تقبل الله قربانى لتقواى فى سائر أمرى ، وقربانى وعدم اضمارى لك أى سوء ، وأنت لست كذلك لعدم رضاك بأمر الله ، وتقربك الردىء وحسدى ، فانما أوتيت من قبل نفسك ، واللائق بالحاسد أن يشتغل بالتوبة من حسده ، ويجتهد فيما يحصل له به مثل ما حصل لمحسوده ، ولا يشتغل بازالة ما حصل لمحسوده ، فان ذلك مضرة له ونفع للمحسود .