106
الجزء ١ · صفحة ٤٦٩. قال ابن حجر : وفيه إشارة إلى بيان السبب فى رفع تلاوتها وهو الاختلاف ، وقد أنكر أقوام نسخ اللفظ والحكم معا ، وأثبتوا نسخ اللفظ وحده والحكم وحده ، لأن الأخبار فى نسخهما معها أخبار آحاد ، قالوا : ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها . وقال الزارى : نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه فى المصحف ، فيندرس على أيام كسائر كتب الله القديمة التى ذكرها فى قوله سبحانه وتعالى : ﴿ إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وكلما نسخ فقد نسخ قبل موته A ولا نسخ بعده والله أعلم .
وفائدة نسخ اللفظ دون الحكم ، مع أن فى بقاء اللفظ جمع ثواب العمل والتلاوة أن يظهر مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال الطلب طريق مقطوع به ، فيسرعون بأيسر شئ كما سرع الخليل بذبح ولده ، والمنام أدنى طريق الوحى ، ومما نسخ لفظه بعض الأحزاب ، ولكن لا يدرى حكمه كله . قال أبو عبيدة : حدثنا ابن أبى مريم ، عن أبى لهيعة ، عن أيوب الأسودج ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ فى زمان النبى A مائتى آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر إلا على ماهو الآن . ويتحصل إيما نسخ لفظه إما معروف الحكم وإما مجهوله ، وأن النسخ إما بالوحى وإما بالإزالة من الحفظ ومن الموضع المكتوب فيه ، وإما بإنزال ما يخالفه وإما بالاندراس وفى هذا الأخير عندى ضرر ، لأنه يكون ممكنا ولو بعد وفاته A كما فى الرواية المذكورة آنفا عن عائشة ، مع أنهُ لا نسخ بعده ، ولعل ذلك لم يصح عنها ، ولأن ذلك ينافى قوله تعالى : ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لا أن يتكلف بأن المراد حفظه عن التبديل . والله أعلم .
قال بعضهم : النسخ إما قبل الامتثال وهو النسخ على الحقيقة . قلت ذلك مثل قوله تعالى : ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة ﴾ ، وقيل إن على بن أبى طالب عمل بها قبل أن تنسخ وأما بعد الامتثال وهو كثير . والنسخ إما لما فى القرآن وهو النسخ حقيقة ، وإما لما فى أول الإسلام أو فى شرع من قبلنا ، وتسمية ذلك نسخا مجاز كآية شرع القصاص والدية ، وكان أمر به إجمالا ، وكنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة ، وصوم عاشوراء برمضان ، والنسخ إما نسخ فرض بفرض ، لا يجوز العمل بالأول كنسخ حبس الزوانى بالحد ، وأما نسخ فرض بفرض يجوز العمل بالأول كآية المصابرة فى الأنفال ، فإنهُ يجوز حمل الواحد على مائة إذا رجا منفعة ، وأما نسخ ندب بفرض كالقتال كان ندبا ثم كان فرضا ، وأما نسخ فرض بندب كنسخ قيام الليل بقراءة ما تيسر من القرآن .