106
الجزء ١ · صفحة ٤٧٠والله أعلم .
قال أبو عبيدة : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه مأكله قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر ، وكلما ثبت الآن من القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته ، فلكما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر لفظه ومعناه ، فلم يقع نسخ إلى غير بدل فلم يناف ذلك قوله D :
﴿ نَأتِ بِخَير مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ : أى نأت بآية أو آيتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك ، أنفع لكم أو أسهل عليكم فى الامتثال ، أو أكثر لأجوركم من الآية المنسوخة أو بمثلها فى النفع أو السهولة أو الأجر ، ويجوز أن يراد بالمثل أمثال ، وإنما قلت هذا وأجزت أن يكون خيراً شاملا لآية فصاعداً لما فى أثر عن ابن الخصار : أن كلما ثبت من القرآن فهو بدل مما نسخ لفظه ، لكن ليس متعبا لإمكان أن يراد آية بآية فقط ، بل هذا هو المتبادر من الآية . وقرأ أبو عمرو نات بقلب الهمزة ألفاً ، كما نقرأ عن ورش عن نافع ، والخيرية إنما هى باعتبار النفع أو السهولة أو كثرة الأجر ، وليس المراد أن آية فى ذاتها خير من أخرى ، إذ لا نقص فى كلام الله ، ولك منه فى غاية الكمال ، وأجاز بعضهم التفاضل بين الآيات والسور من غير اعتقاد نقص أو ذم ، وهو عندى غير بعيد لأن القرآن مخلوق كسائر ما خلق الله ، كما فضل بعض الرسل على بعض ، وما نسخ إلى السهولة كان أسهل فى العمل ، كنسخ فرض قيام الله على المؤمنين ، فذلك خير لهم فى الدنيا لسقوط التعب عنهم وما نسخ إلى الأشق كان أكمل فى الثواب كنسخ وجوب صوم عاشوراء بوجوب صوم رمضان أو الأيم المعدودات برمضان على القول بأنهن غيره ، فذلك خير أيضاً ، لأنه أكثر ثواباً فهو خير للآخرة ، وأما نسخ المثل بالمثل فكنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة ، فإنه لا مشقة فى أحدهما زائدة على الآخر والأجر على الامتثال سواء ، ولكن تقدم أن تسوية مثل هذا نسخا تجوز ، لأنه لم يكن التوجه إلى بيت المقدس آية فى القرآن ، ومن النسخ إلى الأسهل نسخ عدة الحول بعدة أربعة أشهر وعشر ، ومن النسخ إلى الأثقل نسخ وصية الأقرب بآية الإرث على زعم الشافعى أنها منسوخة ، فإن الحصر للمال فى ورثة مخصوصين ثقيل على الموصى ، والسهولة له تصرفه فى الوصية بما شاء لمن شاء ، هذا ما ظهر لى ، والحق أن وصية الأقرب ثابتة للأقرب الذى ليس وارثا ، هذا مذهبنا خلافا لما روى عن الشافعى من أن وصية الأقرب على الإطلاق منسوخة بآية الإرث .