106
الجزء ١ · صفحة ٤٧١ولما قال غيره إنها منسوخة بقوله A : « لا وصية لوارث » والجمهور على جواز نسخ القرآن بالحديث المتواتر ، مستدلين بالحديث المذكور أنه ناسخ ، وأجاب الشافعى بأن ذلك ضعيف ، لأن كون الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ، وبأن الحديث لا يكون خيراً من القرآن ولا مثله ، ولو كان وحْياً ، لأن القرآن كلامه ، والوحى ولو كان كلامه لكن جعل درجة قراءته أعظم بحيث جعله يتلى بلفظ مخصوص لا يبدل ، ومدحه فى آياته ، وقد قال : ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ فعلمنا أن المأتى به هو القرآن ، فيكون من جنس المنسوخ كما هو المتبادر ، وقيل : إن كانت السنة بوحى جاز نسخ القرآن بها وإلا فلا ، فإذا كانت باجتهاد فلا ينسخ بها ، وأنا أعجب ممن أجاز نسخه بالسنة مطلقاً ، وإنما يقرب كلامه من الجواز لو كان يقول السنة كلها وحى ، كما استدل بعض بقوله تعالى ﴿ إن هو إلا وحى يوحى ﴾ ويأتى تفسير هذه الآية فى محلها إن شاء الله ، سبحانه وتعالى ، ومحل تطويل مباحث النسخ أصول الفقه ولى فيه بسط يأتى قريباً ، بإذن الله ، إذا رأيته أغناك عن غيره إن شاء الله .
﴿ ألْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ ﴾ : فهو قادر على نسخ ما كان وإيجاد ما لم يكن مما هو أنفع لكم أو أسله أو أعظم أجرا ، وما هو مثل المنسوخ ، والاستفهام للتقرير . قال القاضى : الآية يعنى ( ما ننسخ ) إلخ ، دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال لأن الأصل اختصاص أدوات الشرط بالأمور المحتملة ، وإنما جاز النسخ لأن الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد ، وتكميل نفوسهم فضلا من الله ورحمة ، ولا يخفى أن شرع الأحكام وإنزال الآيات للمصلحة والتكميل تختلف باختلاف الأعصار والأشخاص ، فإن النافع فى عصر قد يضر فى آخر ، واحتج بالآية من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل ، ونسخ الكتاب بالسنة ، فإن الناسخ هو المأتى به بدلا ، والسنة ليست كذلك ، والكل ضعيف . فأما وجه ضعف منع النسخ بلا بدل فإنهُ قد يكون عدم الحكم أصلح ، والنسخ قد يعرف بغير القرآن ، وأما وجه ضعف منع نسخ الكتاب بالسنة فإنه قد يكون الأثقل أصلح ، وأما وجه ضعف منع نسخ الكتاب بالسنة فإن السنة مما أتى به الله ، لأن الناسخ هو والمأتى به بدلا ، والسنة ليست كذلك ، فإنه ليس المراد بالخير ، والمثل ما يكون كذلك فى اللفظ .