هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

106

الجزء ١ · صفحة ٤٧٣

والله أعلم .

ونسخ الفظ قسمان إما إفناؤه من المصاحف والقلوب ، وإما إزالته من أحكام القرآن ، فيجوز للجنب والحائض والنفساء قراءته ومسه ، ودلالته على معناه أمر وضعى ليس مشروطاً ببقاء هذه الأحكام ، فموضع نسخ يفهم منه معناه ، ونسخ الحكم ليس معناه عدمه ، فإنه معنى ثابت مفهوم من اللفظ بل معناه عدم العمل به . وقد يقال لا مانع من كون بقاء الحكم دون اللفظ هو بوصف كونه مدلولا ، فإن اللفظ ولو نسخ هو دال على ذلك الحكم ، وذلك الحكم مدلول لهُ ومفهوم منه . والله أعلم .

وتقدم جواز النسخ قبل الامتثال ، ويجوز على الصحيح قبل التمكين من الامتثال بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسحه أم أمر به على الفور بلا وقت معين . وقيل لا يجوز لعدم استقرار التكليف . ورد بأن الاستقرار يتحقق بدخول الوقت وإن لم يمض ما يسع الفعل ، واستقرار التكليف هو حصول التعلق التنجيزى ، فالدليل لا يشمل المدعى بشقيه ، ويجاب بعدم تسليم كون استقرار التكليف هو حصول التعلق التنجيزى ، لأن حصول التعلق التنجيزى أصل التكليف لا استقراره ، لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة أو طلبه وهو الأمر والنهى ، ولا إلزام ولا طلب قبل الوقت ، بل لا يتحقق إلا بعد دخول الوقت ، ثم إن الأمر أو النهى يتعلق بالفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته إلزاماً وقبله إعلاما ، والتعلق الإعلامى ليس تكليفا ، ولذا صرح المخالفون بجواز النوم قبل الوقت ، وإن علم أنه يستغرق الوقت . وفسروه بأنه غير مكلف ، ولا نقول بجواز النوم قبله لمن علم بالاستغراق ، لأن ما يؤدى إلى حرام حرام ، وما يؤدى إلى واجب واجب ، فترك النوم لمن لم يطمع فى الانتباه قبل فوت الوقت من تعلقات التكليف ، وهو مكلف بتركه ، ولك تفسير الاستغراق بدخول الوقت ، ومضى زمان يسع الفعل ، ويصح الرد على مانع النسخ بأنه يكفى النسخ وجود أصل التكليف وهو أوله ، كما تقول لعبدك افعل كذا وتأمره على الفور بتركه رحمة له ، فينقطع التكليف بالنسخ ، وقيل وقد وقع النسخ قبل التمكن فى قصة ذبح إسماعيل إذ فداه الله جل وعلا بذبح عظيم ، قيل : وضع السكين على منحره ويبعد أن يكون النسخ فيه بعد التمكن لمبادرة الأنبياء إلى امتثال الأمر ولو كان موسعاً . ألا ترى أن إبراهيم صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعليه لما أمر بالاختتان اختتن بالقدوم ، فتألم مدة مديدة ، فشكى إلى الله ذلك التألُّم ، فأوحى الله إليه : تعجلت قبل أن أخبرك بالآلة ، فقال امتثالا لأمرك يا رب والله أعلم .

وقيل لا يجوز نسخ بعض السنة ببعض القرآن لقوله تعالى : ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ فجعل النبى A مبيناً للقرآن ، فلا يكون القرآن مبيناً لسنته ، ومذهبنا كالشافعية والجمهور الجواز ، لأن الذكر المنزل يعم القرآن والسنة ، لأنها وحى يوحى ، فالقرآن منزل لفظاً ومعنى ، والسنة معنى ، وسنته الاجتهادية لا تنسخ بعض القرآن ، فإن الصحيح أنه يجتهد ولا يوافق إلا الصواب ، ولقوله تعالى :

٤٧٣ / ٧٬٦٨٠