هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

106

الجزء ١ · صفحة ٤٧٥

وحكى أصحاب الشافعى عنه أنه لا تنسخ السنة بالكتاب فى أحد القولين ، وهو المشهور عنه ، ولا الكتاب بالسنة قيل جزماً وقيل فى أحد القولين ، ثم اختلفوا أيضاً عنه ، هل عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس ، بالسمع أو بالعقل فلم يجز ولم يقع وبعض استعظم منه منع نسخ أحدهما بالآخر . وما مر عن ابن السبكى دافع لمحل الاستعظام وهو الحكم بعدم نسخ كل للآخر ، والاستعظام إنكار ذلك الحكم ، ويجوز نسخ السنة بالسنة مطلقاً على الصحيح ، وقيل سنة الآحاد لا تنسخ سنة التواتر ، ومن نسخ السنة بالسنة نسى حديث مسلم أنه A قيل له : الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا يجب عليه؟ فقال : « إنما الماء من الماء » بحديث مسلم والبخارى « إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل » زاد مسلم فى رواية : « وإن لم ينزل » . والشعب الأربع الشاقان والفخذان ، أو اليدان والرجلان ، أو نواحى فرجها الأربع ، ومعنى جهدها جامعها وهو ( بفتح الجيم والهاء ) واحد الجهد المشقة ، كنى به عن الجماع لما يلزم عادة من الحركة التى شأنها المشقة ، ويعنى أن الغسل واجب بمجرد الجماع ولو لم ينزل ، وإنما قلنا بأن الثانى ناسخ للأول لما صح عن جابر C أن الأول متقدم فى أول الإسلام ، وكذا روى أبو داود وغيره عن أبى بن كعب أن الفتية ( بضم الهاء ) التى كانوا يقولون الماء من الماء رخصة رخصها رسول الله A فى أول الإسلام ثم أمر بالغسل بعدها . وقيل : إن الماء من الماء فى الرؤيا ، ولا يجوز نسخ النص بالقياس عندنا حذرا من تقديم القياس على النص الذى هو أصل له فى غير المسألة التى يدعى المدعى نسخها بالقياس مع أنها بالنص ، فلتكن مسألة دعواه كذلك أصلا للقياس الذى يدعيه فلا تنسخ به ، وقيل : يجوز نسخ النص من حديث أو قرآن بالقياس ، وصححته جماعة الشافعية لاستناد القياس إلى النص ، فكأن النص هو الناسخ ، بل زعم بعض أن النص هو الناسخ ، ونقول ببطلان ذلك ، لأن النص مقطوع به والقياس مظنون ، ولو استند إلى النص ثم رأيت المنع للقاضى حسين من الشافعية ، وأنه المعتمد فى مذهب الشافعية ، وأنه مذهب أكثر الشافعية على وفق ما قلنا ، ومثل له بعض الشافعية بما لو فرضها ، وورد نص بيع الأرز متفاضلا ، ثم ورد النهى عن الربا فى المطعومات ، فإنه يقاس الأرز على غيره من بقية المطعومات ، لاستنادة إلى نص وهو النهى عن بيع الربوبيات ، وهذا على مذهبهم فى الربا ، وقيل إن كان القياس جليا جاز نسخ النص به إلا إن كان خفيا لضعفه ، والقياس الجلى ما قطع فيه بنفى الفارق من المقيس ، والمقيس عليه والخفى بخلافه ، ومثل الصبان للجلى بما لو فرض وورد النص بجواز الربا فى القرآن ، ثم ورد نص بتحريم الربا فى العدس ، فيقاس على العدس الفول لوجود اتخاذ الناس له طعاما وادخاره كالعدس ، بل أكثر فى ذلك فيكون الحكم الثابت له بالقياس على العدس ناسخاً لحكمه الأول ، ومثل للخفى بما لو ورد النص بحرمة الربا فى العدس ، ثم ورد بعد ذلك نص بجواز الربا فى الجلبان مثلا ، فلو قيس عليه العدس لكان القياس خفيا لوجود الفرق بينهما فى عموم استعمال العدس دون الجلبان ، وقيل : يجوز نسخ النص بالقياس إن كان القياس فى زمانه A وكانت العلة منصوصة ، ومثل له الصبان بما لو ورد النص بجواز الربا فى الفول ، ثم ورد بعد ذلك نص بحرمة الربا فى الحمص لأنه يستعمل مطبوخاً فيقاس عليه الفول لوجود العلة فيه ، ويكون الحكم الثابت له بالقياس ناسخاص لحكمه الأول ، ومثل له بعض بما لو ورد بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا لأنه مطعوم ، ثم ورد النهى عن الربا فى المطعومات ، وهذه الأمثلة كلها على مذهب الشافعية فى الربا ، وإن كانت العلة مستنبطة غير منصوصة لم يجز نسخ القياس للنص ، لضعف القياس الذى علته مستنبطة ، وكذا إن كان القياس بعد زمانه A ، لانتفاء النسخ بعده A وقيل : يجوز ولو كان بعده ، لأنه يتبين بالقياس أن مخالفه وهو النص كان منسوخاً فى زمانه ، A ، بالنص الذى استند إليه القياس ، ولا يجوز نسخ القياس الموجود فى زمانه ، A ، أو بالنص قياس بعده ، لأنه مستند إلى نص فيدوم بدوام النص .

٤٧٥ / ٧٬٦٨٠