106
الجزء ١ · صفحة ٤٧٨ويجوز النسخ بالمفهوم اتفاقا على ما قال الفخر والآمدى ، وقال أبو إسحاق الشيرارزى : إنهُ قد قال بعض بالمنع بناء على أنهُ قياس وأن القياس لا يكون ناسخاً ، ومثال النسخ بالمفهوم أن يقال : اضربوا آباءكم ، ثم يقال لا تقولوا لهم أف ، ومثال لانسخ بالمفهوم أن يقال : اضربوا آباءكم ، ثم يقال لا تقولوا لهم أف ، وأكثر العلماء أن نسخ المفهوم أو أصله يستلزم نسخ الآخر ، لأن المفهوم لازم لأصله وتابع له ، ورفع اللازم وهو هنا المفهوم يستلزم رفع الملزوم ، وهو هنا المنطوق ورفع المتبوع لا يستلزم رفع التابع ، والمنطوق متبوع والمفهوم تابع ، وقيل : لا يستلزم نسخ واحد منهما الآخر ، لأن رفع التابع لا يستلزم رفع المتبوع ، ورفع المتبوع لا يستلزم رفع اللازم ، واختاره بان السبكى . وقيل : نسخ المفهوم لا يستلزم نسخ المنطوق ، لأنه تابع ، ونسخ المنطوق يستلزم نسخ المفهوم ، وقيل : عكس هذا لأن المنطوق ملزوم واختاره ابن الحاجب ، ويجوز نسخ مفهوم المخالفة مع المنطوق ، ومع بقاء المنطوق لا نسخ المنطوق مع بقائه ، لأنهُ تابع للمنطوق فيرتفع بارتفاعه ، ولا يرتفع المنطوق بارتفاعه ، وقد يبحث بأنه يتبع المنطوق فى الدلالة فقط لا فى الثبوت ، والدلالة باقية قطعا فإن دلالة اللفظ لا تزول بنسخ حكمه ، ولو سلم زوال الدلالة فلا يلزم من زوالها زوال المدلول ، ولا سيما بعد فهمه من الدال وثبوته ، ويبحث أيضا بأن مفهوم الموافقة تابع للمنطوق فى الثبوت بمثل الطريق الذى بين به تبعية مفهوم المخالفة لأصله ، وقيل : يجوز نسخ المنطوق مع بقاء مفهوم المخالفة ، وتبعيته للمنطوق إنما هى من حيث دلالة اللفظ على مفهوم المخالفة مع المنطوق ، ولا من حيث ذات المنطوق ودلالة اللفظ على حكم المنطوق لم ترفع ، وإن ارتفع الحكم بدليل منفصل ، ويجاب بأنهُ متى ارتفع تعلق حكم المنطوق سقط اعتبار دلالة اللفظ عليه ، فسقط ما يترتب على اعتبارها من فهم الحكم ، ويبحث فى هذا الجواب بأنا لا نسلم سقوط اعتبار الدلالة ، بل يجوز اعتبارها ، وفائدة اعتبارها إفادة حكم المفهوم بل لو سلمنا سقوط اعتبارها لم يضرنا ، لأن الذى قلناه هو التبعية فى الدلالة لا فى اعتبارها ، ولا يلزم من سقوط الدلالة سقوط نفسها ، وفهم الحكم مترتب على نفسها لا على اعتبارها ، وغاية ما يدفع الإشكال الفرق بأن مفهوم الموافقة أقوى من مفهوم المخالفة ، لأنك إن قلت إنهُ منطوق كما هو قول ظاهرن لأنه حينئذ مدلول مطابقى ولا تبعية لهُ لشئ ، وإن قلت : إنهُ قياس كما هو قول فيكفى فى الدلالة على أنه أقوى أنه قيل بأنه منطوق دون مفهوم المخالفة ، ولأنه مفهوم من العلة لا من مجرد الأصل ، فلهُ من الاستقلال ما ليس لمفهوم المخالفة ، فجاز نسخ الأصل مع بقائه ، والأصل أعنى بهِ المنطوق ، وإن لم يجز نسخ المنطوق دون مفهوم المخالفة ، ذكر ذلك ابن قاسم قال : ومع ذلك فالأوجه التسوية فى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة ، كما أن الأوجه جواز النسخ بالمخالفة وفاقا لما صححه الشيخ أبو اسحاق ، فليتأمل .