106
الجزء ١ · صفحة ٤٨٠. إلخ : قيد للوجوب والاستمرار ، ويبحث فيه بأنه لا فرق لأن التقييد حقيقة فى الثانى ، وإنما هو فى الفعل كالأول لا فى الوجوب ، وكذا الخلاف لو أسقط لفظ واجب أو لفظ مستمر ، ويجوز نسخ إيجاب الإجبار بشئ بإيجاب الإخبار بنقيضه ، مثل أن يوجب الشارع الإخبار بقيام زيد تم بعدم قيامه قبل الإخبار بقيامه لجواز أن يتغير حاله من القيام إلى عدمه ، فيقال أخبروا بقيام زيد ، ثم يقال أخبروا بعدم قيامه قبل أن يخبروا بقيامه ، وأما بعده فلا يتأتى النسخ وإن كان المخبر به مما لا يتغير كحدوث العالم ، منعت المعتزلة جواز هذا النسخ فيه لأنه تكليف بالكذب ، فينزه البارى عنه ، وأجازته الشافعية قائلين :
إنه قد يدعو إلى الكذب عرض صحيح فلا يكون التكييف به نقصاً ، وقد ذكر العلماء أماكن يجب فيها الكذب منها : إذا طلبه ظالم بالوديعة أو بمظلوم ستره فينكر ذلك ، ومنع المعتزلة ذلك مبنى على قاعدتهم من التحسين والتقبيح العقليين ، وإن قالوا قبح الكذب بالعقل متفق عليه ، فكيف جاز التكليف به؟ قالت الشافعية : لا نسلم ذلك على إطلاقه لما فيه من حسن منفعته ، ولو سلمناه لنقولن قبحه باعتبار فاعله لا باعتبار التكليف به ، ولا مانع عقلا من أن يبيحه الشرع لفرض المكلف من جلب مصلحة أو دفع مفسدة ، ويدل على أنه لا تكليف لا نقض ولا نقص ولا قبح فى التكليف بالكذب أن الله تعالى أباح للمكره التلفظ بلفظ الكفر ، وأيضاً لا نسلم أن التكليف تابع للمصلحة ، فإن الله جل وعلا لا يسأل عما يفعل . والله أعلم .
وتقدم أن نسخ لفظ الإخبار جائز لا حكمه ولو مما يتغير لأنه يوهم الكذب ، وإن قلت نسخ حكم الطلب يوهم البداء ، قلت : لا بل يفيد التخفيف أو زيادة النفع فلا يتبادر البداء ، وأيضا الذى فى نسخ الأمر هو الإيهام المقابل للتحقق ، والذى فى نسخ الخبر الإيهام المجامع للتحقق . وإن قلت النسخ للخبر دال على أن الخبر المنسوخ لم يتناول تلك الصورة ، كما أن النهى الذى ينسخ الأمر دال على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت فهما سواء ، فالجواب ما ذكرته من أن الإيهام الذى نسخ الأمر والذى فى نسخ الخبر متخالفان ، وكذا يكون جوابا للاعتراض بأن الواقع تحقق الكذب لا إيهامه ، فإن المراد بالإيهام الإيقاع فى الوهم أى الذهن فيصدق بالتحقق لا مقابل التحقق ، وقال البيضاوى وغيره : يجوز نسخ مدلول الخبر إن كان خبراً عن مستقبل قابلا للتغير ، قال الشافعية بجواز المحو لله فيما يقدره فى الأزل قال الله تعالى :