هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

109

الجزء ١ · صفحة ٤٨٩

قال أبو داود عن أبى هريرة عنه A : « إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » أو قال : « العشب » وفى صحيح الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة ، عن جابر بن زيد رحمه اله ، وفى موطأ مالك عن أنس عنه A : « لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » . وأسند أبو عمر بن عبد البر فى التمهيد ، عن الزبير ، عن رسول الله A : « دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء حالقتا الدين لا حالقتا الشعر » . وفى الإحياء عنه A : « دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، والبغضة هى الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ، والذى نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولن تؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أنبئكم بما يثبت لكم افشوا السلام بينكم » وإن قلت : كل الكبائر تأكل الحسنات فما وجه تخصيص الحسد؟ قلت : المبالغة فيه ، وكونه أشد فى الإيقاع فى المعاصى الآخر وهو تمنى زوال النعمة عن النعم بها عليه ، والمحرم منه تقريره والإصغاء للنفس فيه ، وعمل اليد أو الجارحة بمقتضاه ، سواء عن مسلم أو كافر ، إلا أن تمنى زوالها عن كافر لإضراره بها ولا ضير بوقوعه فى النفس ، لأنه ضرورى وعنه A : « ثلاثة لا ينجو منهن أحد : الظن والطيرة والحسد ، وسأحدثكم بالمخرج من ذلك : إذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ » والحديث فى صحيح الربيع ، وذكر الغزالى رواية أخرى أيضاً : « ثلاثة لا ينجو منهن أحد وقل من ينجو منهن . . » وذكر الحديث كما ذكرته .

﴿ فَاعْفُوا ﴾ : عم ، اتركوهم ولا تشغلوقلوبكم ولا ألسنتكم بكلامهم

﴿ وَاصْفَحُوا ﴾ : أى لا تجاوزهم على ما كان منهم ، والصفح الإعراض ، ويجوز أن يكون العفو ترك مجازاتهم على ما وقع منهم ، والصفح ترك المبالغة فى معاتبتهم عليه وتوبيخهم ، ويجوز أن يكون العفو ترك العقوبة ، والصفح الإعراض عن المذنب ، كأنه يولى صفحة العنق .

﴿ حَتَّى يَأتِىَ الله بأمْرِهِ ﴾ : وهو عقابهم بما شاء فى الدنيا من قتل وسبى وغنم وإجلاء ، وفى الآخرة من تضييق قبر وعذابه ، وعذاب الحشر وعذاب النار ، أى لا تجازوهم حتى يكون الله هو الذى يجازيهم ، ولا تنتقموا منهم لأنفسكم ، وهذا معنى لا يقبل النسخ ، فليس قوله : ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ منسوخاً بآية القتال لما ذكرته من أن ذلك لا يقبل النسخ ، ولأنه مغبا باتيان أمر الله ، والمقيد بغاية أو غيرها ، لا يسمى منسوخاً كما مر ، بل توفيقا على مدة أو قيد ما قال ابن عباس الآية منسوخة بقوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .

٤٨٩ / ٧٬٦٨٠