هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

114

الجزء ١ · صفحة ٤٩٩

انتهى .

قلت يبحث فى كلامه بأن المشهور أن العمدة فى خراب بيت المقدس هو بختنصر وجنوده ، لا النصارى ، وإنما النصارى أعانوه إعانة لما رأوه مشمراً لذلك ، فإنما يحسن أن تنزل الآية فيمن هو العمدة لا فيمن هو تبع ، فإذا صرنا إلى التخصيص قلنا : إنها نزلت فى بختنصر وجنوده ، ومن أعانهم من النصارى . وإلا فالأولى أن يقال : الآية نزلت فى بختنصر وجنوده ومن أعانهم من النصارى ، وفى مشركى العرب وفى طوس الرومى وجنوده ، إذ خرب بيت المقدس ، وقتل وسبى وغنم ، بعدما عمره اليهود من تخريب بختنصر ، اللهم إلا أن يقال : نزلت فى النصارى ولو كان العمدة بختنصر وجنوده توبيخاً لهم ، لأنهم أهل كتاب ، كما روى عن مجاهد : أنهم النصارى أعانوا بختنصر على خراب بيت المقدس ، ويبحث أيضاً فى كون مشركى العرب ساعين فى منع المسجد الحرام وخرابه أنهم منعوا منه أفضل الرسل وخاتمهم وأشياعه قبل الهجرة وبعدها ، فإن عمارتهم إياه غير عمارة لشركهم وأقدارهم ولو لم يمنعوه أو لم يؤذوه على عمارته إلا مرة كان سعيا فى خرابه ، لأنه رسول خاتم الرسل والأنبياء ، ولأن منعه منع للأمة كلها ، ويبحث أيضاً بأن ما قبل هذه الآية ليس خاصاً بأهل الكتاب ، فإن العرب مذكورة بقوله D : ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وما بعدها ليس متعيناً فى أهل الكتاب ، بل محتمل كما سترى . ورجح بعضهم أن الآية نزلت فى مشركى العرب بأن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من اليهود ، وكيف يسعون فى خرابه وهو موضع حجهم ، ويبحث فيه بأن يقول صاحب هذا القول بأن الآية نزلت فى النصارى الخاربين له لا فيمن يعظمه ، ففى رواية عن ابن عباس وغيره : أن المراد النصارى الذين يؤذون من يصلى فى البيت المقدس . وصحح ابن العربى القول بأن المراد فى الآية : كل من منع مسجدا من مساجد الله ، قال لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال ، يعنى أنه ليس لنزول الآية سبب مخصوص كلفظها عام ونزولها عام ، ثم إذا بنينا على أنها نزلت لمانع ومسجد مخصوص كالنصارى وبيت المقدس كان ينبغى أن يراد بمن منع مساجد الله العموم لا خصوص أولئك النصارى مثلا . وإن قلت : كيف يصح أن يقال مساجد الله إذا أريد بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت : عبر بالعموم ليفيد الحكم العام ، وإن كان السبب خاصا ، كما تقول لمن آذى صالحاً : ما جزاء من يؤذى الصالحين؟ وكما قال تبارك وتعالى : ﴿ وَيْلٌ لِكلِّ هُمَزةٍ لُمَزة ﴾ مع أن الهاء من اللامز الذى نزلت فيه الآية على ما يأتى إن شاء الله الأخنس بن شريف .

﴿ أولئك ما كان لهم أن يَدْخلوها إلا خائفين ﴾ : الإشارة عائدة إلى مطلق المانعين المساجد ، الساعين فى خرابها ، وهذا مما يدل على أن المراد بقوله : ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ العموم ولو كان سبب النزول خاصا ، إذ لا يحسن أن يقال : ما كان لبختنصر وجنوده أن يدخلوا المساجد إلا خائفين ، نعم لا مانع من إرادة خصوص النصارى ومساجد الشام ، فإن منعهم من بيت المقدس منع من سائر مساجد الشام ، أو هم خربوا مساجد الشام كلها ، أو ما قدروا عليه فمنعوا من دخولها كما منعوا غيرهم ، ولكفرهم ، وكان بيت المقدس موضع حج النصارى وزيارتهم ، بعد ما خربه من خربه منهم .

٤٩٩ / ٧٬٦٨٠