114
الجزء ١ · صفحة ٥٠٠قال ابن عباس : لم يدخله بعد عمارته بالمسلمين يهودى ولا نصرانى إلا خائفاً ، إن عُلِمَ به قُتِل ، وهذا معنى الخوف فى الآية ، وقيل إنهم أخيفوا بالجزية على الذمى والقتل على الحربى ، فالذمى إذا كان يعطى الجزية بترك أن يدخل المساجد عند أبى حنيفة . ومنع مالكٌ الكفار كلهم من دخلو المسجد أىَّ مسجد كان أعطى الجزية أو لم يعطها ، وأجاز الشافعى أن يدخل الكفار المساجد غير المسجد الحرام مطلقاً ، وقيل عنه يجيز لهم دخول غير المسجد الحرام بشرط أن يأذن له السلطان أو نحوه ، وعلى كل حال إذا دخل الكافر مسجداً من المساجد ، يدخلها وفى قلبه خوف من أن يزجره المسلمون ويضربوه ، وهذا معنى الخوف عندى ، وذلك نصر من الله تعالى للمؤمنين سابق فى اللوح المحفوظ وفى علمه الأزلى ، أخبرنا الله به فكان لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارَقة . قال قتادة والسدى لا يوجد نصرانى فى بيت المقدس إلا أنهم ضرباً وأبلغ إليه فى العقوبة ، ونادى رسول الله ، A ، فى شأن المسجد الحرام ومواسم الحج : ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ، ولا يدخل المسجد الحرام ، ولا يطوفن بالبيت عريان . وقيل خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث قسطنطينية وهى إسلامبول ورومية وعمورية ، يعنى بفتح الثلاث فيلزمهم الذل بفتحهن حيثما كانوا ، وقيل ليس ذلك إخبارً بأنهم يخافون ويقهرون ، بل بمعنى أنه يكون الحق خوفهم وذلهم ، سواء ذلوا وخافوا ، أم تجبروا وعتوا ، وقد علم الله ما يكون من ذلهم ومن تجبرهم ، ويحتمل أن يكون اللفظ إخباراً والمعنى نهياً ، أى لا تتركوهم ولا يمكنونهم لم يصدر منهم الدخول إلا على خوف كقوله تعالى : ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ ، فإن بمعنى لا تؤذوه ، وضابطه أنه إذا نفى الله عن الشئ أن يكون حقاً أفادنا النهى عنه ، وقرأ عبدالله بن مسعود إلا خيفاء ( بضم الخاء وفتح الياء مشددة مع تكسير ) كصائم وصيم .
﴿ لهم فى الدنيا خزى ﴾ : كالقتل والسبى والغنيمة والذل والجزية ، وقيل فتح قسطنطينية ورومية وعمورية ، ومن فسر هذا أو الخوف بشئ لم يفسر به الأخرى .
﴿ ولهم فى الآخرة عذاب عظيم ﴾ : هو عذاب النار والحشر ، كل ذلك لكفرهم . والله أعلم .
وكان رسول الله ، A ، والمؤمنون يصلون إلى بيت المقدس قبل الهجرة ، وصلوا إليه بعدها أيضاً سنة وأربعة أشهر ، ثم نسخ التوجه إله فى الصلاة بالتوجه إلى الكعبة ، فكانوا يصلون إليها ، فقالت اليهود ما لم تحولوا عن بيت المقدس؟ وقالوا : ليست لهم قبلة معلومة ، فتارة يستقبلون هكذا ، وتارة يستقبلون هكذا ، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى :