124
الجزء ٢ · صفحة ٢٤وقال الحسن البصرى فى تفسير الكلمات المذكورة فى الآية : ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس ، فحبس نفسه فى ذلك وعلم أن الله دائم لا يزول ، فوجه وجهه للذى فطر السموات والأرض حنيفا ، ثم ابتلاه بالنار فصبر ، ثم بالهجرة فخرج عن بلاده ، وهى العراق ، وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله ، وبذبح ابنه فصبر ، وبالختان على كبر سنه فصبر على ذلك كله ، قبل : كان الابتلاء بالكلمات قبل النبوة ، وقيل بعدها وهو الصحيح لأن التكليف بهن إنما يعلم بالوحى ، وبه تجب شرائع الدين ، واستدل للأول بقوله تعالى : ﴿ قالَ إنِّى جَاعِلُكَ للنَّاسِ إماماً ﴾ : لأن جعله إماما مسبب عن إتمامهن ، والسبب يتقدم على المسبب ، ويبحث بأنه ليس فى اللفظ ما يدل على السببية ، وبأنه لا مانع من جعله إماماً للناس كلهم بعده بعد النبوة بكثير ، ولاشك أن الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس قبل النبوة ، ولئن سلمنا فلا مانع من أن يبتلى قبل النبوة وقبل البلوغ وبعدهما ، فيتم له الوفاء بهن جميعاً بعد النبوة ، فيكون الوفاء ببعض قبلها وببعض بعدها ، فكان جعله للناس إماماً بسبب إتمامهن ، ولا مانع من جعل الجملة سببية بلا أداة سبب . ونص البخارى على أنه قال الراوى بعد ذكر الاختتان : فأوحى الله إليه إنى جاعلك للناس إماماً ( والفاء يتبادر منها السببية ) ويناسب السببية وجه تعليق ، إذ يقال لأنه يتبادر السببية كثيراً فى مثل قولك : أكرمته إذ جاءنى : أن المجئ سبب للإكرام ، ولا يتعين ذلك كما مر ، لأنه يجوز جعل قوله : قال مستأنفاً عن إذ ، وعليه فتكون الجملة جواب سؤال مقدر كأنهُ لما قال فأتمهن ، قيل فماذا قال له ربه ، أو بم جازاه؟ فأجاب بقوله : ﴿ قال إنى جاعلك لناس إماماً ﴾ وضمير ( قال ) عائد إلى الله تعالى ، وروى أن إبراهيم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه كتب الله له البراءة من النار ، وإذا علقنا إذ يقال فالمجموع معطوف على ما قبله أو مستأنف ، ويجوز أن يكون قوله : ﴿ قال إنى جاعلك للناس إماما ﴾ بمعنى تفسيرا : وتبييناً لقوله : ( ابتلى ) فتكون الكلمات الإمامة ، وتطهير البيت ، ورفع القواعد ، والإسلام والإمام فعال بمعنى مفعول ، لأنه بمعنى من يؤتم به ، أو يقتدى به ، فأصله أن يقال فيه مأموم ، أى متبوع ، وأما إطلاق المأموم على من يصلى مثلا صلاة الإمام فمن حيث أنهُ صار ملزوماً باتباع الإمام ، ولفظ الإمام كلفظ الإله ، فإنهُ بمعنى مألوه ، والإزار فإنه بمعنى ما يؤتزر به ، وإمامة إبراهيم عامة موبدة ، لأنهُ لم يبعث بعده بنى إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه فى الخير وسننه .
﴿ قالَ ﴾ : إبراهيم .
﴿ ومن ذُرِّيتِى ﴾ : متعلق بمحذوف وجوباً مفعول ثان لمحذوف ، والأول محذوف أيضاً ، أى قال واجعل من ذريتى أئمة ، ولا مانع من أن يكون المعطوف من كلام غير المتكلم بالمعطوف عليه ، ويجوز تعليقه بمحذوف نعت لمعطوف على كاف جاعلك ، ويقدر مفعول ثان ، والأول هو المعطوف ، وذلك من العطف على معمولى عامل واحد ، أى وقوما ثابتا من ذريتى أئمة ، بنصب قوما عطف على محل النصب من الكاف ، أو بجره عطفا على محل الجر ومنه ولو لم يعد الجار لأنه قد يرد العطف بلا إعادة ، ولا سيما مع وجود الفصل ، وكون الإضافة فى نية الانفصال ، كما هنا .