173
الجزء ٢ · صفحة ١٥٣وأما الدم داخل الميتة فنجس من حيث إنها ميتة وهو بعضها ، لا من حيث إنه دم ، لأنهُ غير مسفوح ، ودم السمك طاهر عندنا حلال الأكل ، لأنه إذا يبس ابيض ، والدم إذا يبس أسود ، ولأن ميتة السمك حلال ، فما قطع منها وهى جية حلال ، فالدم منها حلال ، فخبر ما قطع من حى حيا فهو نجس مخصوص بغير السمك والجراد ، فإنما قطع منها جبين طاهر ، وكذا قال أبو حنيفة بطهارة دم السمك ، وقال الشافعى : دم السمك نجس ، وقال : كل دم نجس مفسوحاً أو غير مسفوح ، وزعم أن التقييد بالسفح بيان للواقع إذ كانوا يسفحون الدم فيأكلونه بعد أن يشوى ، وكانوا يفصدون الإبل لذلك ، وكانوا يجمعون الدم فى المصارين ويشوونها ، واستثنى A من الدم الكبد والطحال . روى الدارقطنى عن عبدالرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه ، عن عبدالله بن عمر : أن رسول الله ، A ، قال : « أحل لنا من الدم دمان ومن الميتة أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ومن الدم الكبد والطحال » وفى لفظ آخر « أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالجراد والحوت ، وأما الدمان فالطحال والكبد » أخرجه ابن ماجه وأحمد بن حنبل . قال أحمد ، وعلى بن المدنى ، وعبدالله بن زيد : ضعيف ، وأخرجه عبدالله بن زيد ، وهو عند قومنا ثقة قوى ، وضعيف أبو بكر بن العربى هذا الحديث عن ابن عمر بما لا يصح سنده ، وقال البيهقى : يروى هذا الحديث عن ابن عمر موقوفا ومرفوعا ، الصحيح الموقوف . واختلف فى تخصيص الدم بالكبد والطحال من الدم . فقال مالك : لا تخصيص لأن الكبد والطحال لحمتان لا دمان ، فضلا عن أن يخصصا من عموم الدم كما يشهد به العيان الذى لا يفتقر إلى برهان ، وأيضا لو كانا دمين لم يكونا مسفوحين فلم يحتاجا إلى التخصيص من المسفوح وتسميتهما دمين فى الحديث مجاز لشبههما بالدم الجامد ، أو هما دمان حقيقان ليسا من نوع الدم المحرم ، وأيضا لا يشبههما لفظ الدم عرفا فلا يدخلان فى الدم فضلا عن أن يخصا بالحديث بيان لكونهما حلالا مع أنهما شبيهان بالدم ، وبيان لنا نوعا حلال من الدم غير نوع الدم المحرم ، هذا ما ظهر لى من الأوجه فى توجيه كلامه ، وقال الشافعى : هما دمان حقيقان من نوع الدم المحرم ، أحلهما الله جل وعلا ، وزعم من زعم أن الله جل وعلا نسخ بالسنة بعض اليمتة وبعض الدم ، الجراد والسمك والكبد والطحال ، وليس ذلك نسخا ، وأقول من قلع سنه مثلا واتصل الدم ولم يرق يخشو أدواء فلا يجوز لصاحبه الأكل والشرب وبلع الريق إلا إذا خاف على حلقه أو خاف المضرة بالجوع أو بالعطش ، فإنه يبلغ ريقه أو يأكل أو يشرب ما يقوت به ، لأن فى ذلك أكل الدم أو شربه أو بلعهُ ، فحاله كحال المضطر له القوت فقط ما دام يطمع أن يرقى وإن لم يطمع واتصل فله الأكل والشرب والبلع كعادته حال الطهر ، ومقتضى من قال إنه لا ينجس الدم حتى يخرج من حد الفم أنه يأكل ويشرب ويبلغ كالعادة ولم يصل حد الاضطرار .