هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

173

الجزء ٢ · صفحة ١٥٦

قال ابن عباس رضى الله عنهما : ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ ، غير خارج عن السلطان ولا معتد بسفره فى معصية ، وقيل : ﴿ غير باغ ﴾ غير طالب الميتة وما ذكر معها وهو يجد غير ذلك ، ﴿ ولا عاد ﴾ غير معتد ما حل له ، وقيل غير مستحل لها استحلالا مطلقاً بل استحلالا بقيد الاضطرار الذى هو فيه ، وغير متزود منها . وقال قتادة : ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ ، غير قاصد فساد وتعد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها ، وكان يجيز الأكل منها للمضطر العاصى فى سفره والحق مع ذلك لأن إباحة الأكل منها له إعانة على معصية ، والمنع مذهب الجمهور ، وبه قال مجاهد ، قال المعنى غير باغ على المسلمين وعاد عليهم ، فيدخل فى الباغى والعادى قطاع السبل ، والخارج عن السلطان ، والمسافر فى قطع الرحم ، والغارة على المسلمين وما شاكل ذلك ، والرخصة لغير هؤلاء ، ومذهبنا أن المضطر يأكل ما يسد رمقه . وقال بعض أصحابنا : يأكل ما يصل به وينجو به ويؤدى فرضه ولا يتزود منها ، وقال مالك : يأكل المضطر شيمه ، وفى الموطأ وهو لكثير من العلماء يتزود من ذلك إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفاوز وقفار . وقال ابن العربى : إذا دمت على المخمصة فلا خوف فى جواز شبع المضطر ، وإن كانت نادرة ففى شبعه قولان : أحدهما لمالك يأكل حتى يشبع ويتضلع ، وقال غيره يأكل بقمدار سد الرمق ، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون وأبو حنيفة ، وعن الشافعى القولان ، وعن سهل بن عبدالله بن عون : دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب فقال : هذا كتاب كتبه شمره لولده ، فإذا فيه يجزئ من الضرورة أو من الضارة صبوح أو غبوق ، وذكر الحسن أن رجلا قال : يا رسول الله متى تحرم عى الميتة؟ قال : « إذا رويت من اللبن وجاءت مبرة أهلك » ذكره الشيخ هود ، وهو تمثيل بحال الغنى عنها لا قيد بوجود الشبع من الحلال ، وإذا غنى عنها حرمت ولو جاع ، ثم من اضطر ووجد ذلك كله أو متعدداً منه فقيل يسد رمقه من كل يجزئ ، وإن شاء سده من واحد ، وقيل يشبع على ما مر من عموم أو تفصيل من مجموعها ، وإن شاء شبع من واحد ، وقيل يأكل مما قدمه الله على الآخر فى ذكر التحريم ، لأن الإباحة للمضطر مفرعة على ذلك المرتب ، فإن أقرب ذلك الميتة لأنها لو ذكيت حال الحياة لحلت وماتت غير مُهلِّ لها لغير الله ، ويليها الدم ، لأن منه حلالا طاهرا وهو غير المسفوح ودم اللحم والقلب فى قول ، وأيضا قد كان فى الشرع ما حل من الميتة والدم وهو السمك والجراد والكبد والطحال فهما مقدمان على المهل بها لغير الله ، لأنهُ لا حال لها نحل فيه لغير المضطر ، ولأن فيها ميتة ودما حراما ، ولو كانت حرمته بالموت لا بالسفح وفيها إهلالا لغير الله ، ومع هذا تقدم على الخنزير لأنها لو ذكيت باسم الله لحلت ، ولو ذكيت به بعد الإهلال لغير الله لحلت إن أدركت فيها حياة والخنزير لا تعمل فيه الذكاة ، ولا حالة يحل فيها لغير المضطر ، وقيل إن وجد حيّاً ذكى وقدم على الميتة والدم وما أهل به لغير الله إن لم تدرك فيهِ حياة ويذك ، واختلفوا فى أن من أكل شيئا من ذلك لضرورة هل ينتقض وضوءه أو يتممه إن تيمم أو لا ينقض؟ واختلفوا هل تقدم هذه الأشياء لأنها لا حق فيها لمخلوق ، أو يقدم مال الناس ، لأنه حلال وينوى الخلاص ، ويشهد أو يكتب فى وصيته لصاحبه ، واختلفوا : هل ينجى بالميتة المدودة؟ فقيل لا يأكل منها ، لأنها لا تنجى وإن أكل هلك ، وقيل يأكل ويقدم ذلك على الخمر ، وقيل لا ينجى بالخمر لعدم ورود الترخيص فيها إذا اضطر ، واختلفوا : هل يأكل ذلك أو يشرب الخمر إذا جبر بالقتل قياساً على الأكل ولا إذ الترخيص لم يرد فى الإخبار وكذا المداواة بحبة إن لم يداو بذلك مات أو ساعة غصة يخمر فى ذلك خلاف .

٦٥٦ / ٧٬٦٨٠