هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

174

الجزء ٢ · صفحة ١٥٩

وتقول العرب : أكل فلان العرب : أكل فلان الدم ، أى الدية المبدلة منه . وقال الشاعر :

يأكلن كل ليلة إكافا … أى ثمن الإكاف فسماه إكافا لأنهُ ثمنه ، وذلك مجاز مرسل ، ويجوز أن يكون شبه ما يأكلونه من المآكل المذكورة والرشاء بالنار ، فسماه باسم النار ، لأنهُ يحرق نور القلب ويزيد بطلانا للحسنات ، كما أن النار تحرق الحطب ، وتذهب المنفعة من الشئ الذى لا تليق به ، فيكون ذلك مجازاً استعارياً ، ويجوز أن يكون المعنى ما يأكلون يوم القيامة فى بطونهم إلا النار إذا دخلوا النار أكلوا منها كما كانوا يأكلون ما لا يحل ، فذلك حقيقة لا مجازا ، والوجه الأول هو قول الربيع وغيره : قال سمى مأكولهم ناراً ، لأنهُ يؤل بهم إلى النار ، ولزم الإنسان ألا يأخذ مالا على عمل الطاعة ولا على المعصية ، وهذا مسقط عظيم تهاونت به المالكية إلا قليلا منهم ، إذ أجازوا عمل الطاعات بالأجرة كالأذان والإقامة وتعليم الصبيان ، وقد رددت عليهم فى الشامل ، ففى سنن داود عن عبادة بن الصامت أنهُ قال : علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن ، وأهدى إلى رجل منهم قوسا فقلت : ليست بمال ، وأرمى عليها فى سبيل الله ، لآتين رسول الله ، A ، فلأسألنه ، فأتيه فقلت : يا رسول الله رجل أهدى إلى قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن ، وليست بمال وأرمى عليها فى سبيل الله . قال : « إن كنت تحب أن تطوق من نار فاقبلها » وفى رواية فقلت : ما ترى فيها يا رسول الله A ؟ قال : « جمرة بين كتفيك تقلدها وتعلقتها » وإن قلت معلوم أن الأكل ما يكون إلا فى البطن ، فما فائدة قوله : ﴿ فى بطونهم ﴾ قلت : تهويل الأمر وتفظيعه وتأكيد الزجر ، فإن الأكل ولو كان يشعر بالبطن لكن قد تصيب السامع بعض غفلة من استشعار كل الألم فى ذلك وإذا قيل فى بطونهم فكأنه قيل يأكلون النار ، وتباشر أمعاءهم ، ثم تتصل بكبدهم ورئتهم وقلبهم ونحو ذلك ، فيستشعر الألم كل الاستشعار ، هذا ما ظهر لى ، ويحتمل أن يكون قال : ﴿ فى بطونهم ﴾ ليدل على أنهم يملئونها نارا ، ولو قال ما يأكلون إلا النار ، لم يشعر الكلام بأن بطونهم مملوءة بها ، والعرب إذا أرادوا أن يقولوا ملأ بطنه بطعام ، قالوا أكل فى بطنه ، كأنهم قالوا باشر الطعام أمعاءه ومعدته كلهن حتى إذا ضاق بهن البطن ، أى أكل مقدار ما يشبع بدليل أنهم إذا أرادوا أن يصرحوا بأنه ألم يملأ بطنه قالوا أكل فى بعض بطنه . فقال الشاعر :

كلوا فى بعض بطنكم تعفوا … فإن زمانكم زمن خميصص

أى لا تشبعوا بأن سننكم سنة ضامرة ، قليلة الخير خفيفته ، ولا تتركوا الأكل بالكلية لتعفوا عن سؤال الطعام وما تشترونه به ، وفى ذكره تعالى ﴿ بطونهم ﴾ تهجين عليهم بأنهم باعوا الجنة ، ورضى الله بمطعم حقير قليل منقطع .

٦٥٩ / ٧٬٦٨٠