هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

184

الجزء ٢ · صفحة ١٩١

﴿ ومَنْ كانَ مَريضاً أو على سَفر ﴾ ، وهما كالاستثناء منه ، بل قال ابن عمر بنسخه قوله : ﴿ فمَنْ كانَ منكُم مَريضاً أو عَلى سَفرٍ ﴾ ، ورد أيضاً بما رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد مرسلا ، قال : خرج النبى ، A ، إلى مكة عام الفتح فى رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطر فأفطر الناس معه ، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر النبى ، A ، فأفطر فأفطروا ، وقد شهدوا شهر رمضان فى الحضر ، وهذا الحديث يدل على جواز الإفطار ولو بلا نية من الليل ، لأنهم أفطروا ولم ينووا ، كذا رواء البخارى ومسلم بذلك اللفظ بعينه ، لكنهما روياه متصل الإسناد إلى ابن عباس ، والاتصال أقوى . اللهم إلا أن يقال هذا الإفطار تقوية على العدو وهو جائز بلا نية من الليل ، كما صرحه فى رواية الربيع ، عن أبى عبيدة ، عن جابر بن زيد قال : سمعت جملة من أصحاب رسول الله A ، يقولون : خرجنا مع رسول الله A ، عام الفتح فى رمضان ، فأمر الناس أن يفطروا ، قال : تقووا لعدوكم ، فصام هوولم يفطر ، ولقد رأينا رسول الله A : يصب الماء على رأسه من شدة الحر من الطش فقيل له : يا رسول الله إن الناس صاماو حين صمت ، فلما بلغ الكديد دعا بقدح من ماء فشرب فأفطر الناس معه . وظاهر قولى إن الناس صوموا وقولوه فأفطر الناس معه أنهم لم يفطروا حين أمرهم بالإفطار ، وكذا ظاهر الحديث السابق فصام حتى بلغ الكديد فأفطر حتى أفطروا ، وصاموا لما رأوه صام ، وقد يدل قوله : فصام هو بذكر بعض هو على أن بعضاً أفطر لكنه قليل بدليل قوله : إن الناس قاموا هذا ما ظهر لى ، وقول سيدى أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة C : أفطر غالبهم وصام هو وجماعة حتى بلغ الكديد فأفطروا معاً .

وروى مالك فى موطئه عن رجل من الصحابة : رأيت رسول الله A بالعرج فى الحر وهو يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش ومن الحر ، ثم لما بلغ الكديد أفطر ، وإذا كان هذا الإفطار للتقوى على العدو ولم يكن فيه رد على أشتراط أصحابنا نية الإفطار فى السفر من الليل لنا عموم قوله تعالى : ﴿ لا تُبطلُوا أعمْالكُم ﴾ فإن من أًبح صائما ثم أفطر بلا حدوث مرض ولا مضرة ولا تقوى على العدو مبطل لعمه الذى هو صوم ما مضى من ذلك اليوم فى السفر ، كما يفطر أو يغمى من قطع الصلاة عمدا بلا عذر ولا شبة ، لكن أمر الإفطار أهو من قطعها لجوازه فى السفر فى الجملة ، ولنا أيضاً قوله : ﴿ أو على سفر ﴾ ، فإنه يدل على أن من سافر فى أثناء اليوم لا يفطر ، وتلك الأحاديث كلها إذا حملنا الإفطار فيها على إرادة النقوى لم يكن فيها دليل على جواز الإفطار فى السفر بعد الصوم فيه ، لأن الإفطار للتقوى جائز ولو فى الحضر بلا نية من الليل إذا حضر أمر العدو أو ترجح حضوره ، وذلك فى القتال الذى هو عبادة لا قتال المعصية .

٦٩١ / ٧٬٦٨٠