187
الجزء ٢ · صفحة ٢١٥﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لكُم وأنتُمْ لِباسٌ لَهنَّ ﴾ : أى هن كاللباس لكم ، وأنتم كاللباس لهن ، لأن كلا من الزوجين يشتمل على الآخر عند التعانق ، ولا سيما عند النوم لدخولهما عنده فى ثوب واحد ، كاشتمال اللبس على لابسه قال الجعدى :
إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا
أى إذا مال المضاجع جانبها مالت ، وكانت لباسا عليه ، أو لأن كلا من الزوجين يستر الآخر عن الزنى ومقدماته ، كما يستر اللبس عورته عن أن ترى . قال A : « من تزوج فقد أحرز ثلثى دينه » أو لاحتياج كل للآخر كما يحتاج إلى بساه ليستره ويقيه الحر والبرد ، كذلك يحتاج كل للآخر فى أمر الجماع وشأن البيت وخارج البيت ، وبعض لباس استعارة على مختار السعد ، وتشبيه بليغ على غيره ، ويجوز أن يكون لباس بمعنى ملابسات وملابسين لكثرة الملابسة بين الزوجين وهى المخالطة ، ومن هذا معنى قيل لباس بمعنى سكن ، كما قيل لا يسكن شئ إلى شئ كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ، وقد فسره الشيخ هود بالسكن ، والجملة تعليل لقوله : ﴿ أحل ﴾ دَالة على عدم الاستغناء عنهن .
﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَكُمْ كُنْتم تَخْتانُون أنْفُسَكُم ﴾ : تظلمونها بتعريضها للعقاب على الجماع والأكل والشرب بعد النوم ، أو بعد صلاة العشاء ، وتنقيص حظها من الثواب ، وأصل ﴿ تختانون ﴾ من الخيانة فى الأمانة ، وهى ألا يؤديها أو لا يصونها ، ويقال للعاصى خائن ، لأنه اؤتمن على دينه فخان ، فكذلك أئتمنهم الله جل وعلا ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا يجامعوا بعد النوم ولا بعد صلاة العشاء ، فأكل وشرب وجامع قوم ، وإنما أدخلت الأكل والشرب فى الخيانة ، لأن مجموع الآية فى نسخ تحريم ذلك ، ويدل لذلك أنه لما ذكر الاختيان فرع عليه التوبة والعفو ، ثم فرع على التوبة والعفو الأمر بالجماع والأكل والشرب ، وفسر من تقدمنى من المفسرين بالختيان فى الجماع . كالخازن . قال ابن عباس : تختانون أنفسكم فيما ائتمنكم عيله ، وهو محتمل لذلك ، والاختيان أبلغ من الخيانة ، لأن زيادة المثنى تدل على زيادنى المعنى ، كالاكتساب والكسب ، فكأنه قيل تخونون أنفسكم خيانة عظيمة .
﴿ فتَابَ عَليْكُم ﴾ : أيى فقبل توبتكم لما تبتم .
﴿ وعَفَا عَنكُم ﴾ : أى محا عنكم أثر ما قترفتم من الخيانة . روى البخارى عن البراء بن عازب : لما نزل صوم رمضان ، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، فكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل الله : ﴿ عَلِمَ اللّهُ أنكُم كُنْتُم تَخْتانُون أنفسَكُم فَتَابَ عَليْكُمْ وعَفَا عنكُم ﴾ الآية قال ابن عباس : فكان ذلك ما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر .
﴿ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ : جامعوهن الآن ، أى فى هذا الوقت الذى نزل فيه إحلال الرفث إلى نسائكم ليلة الصيام إلى قيام الساعة ، والمباشرة كناية عن الجماع ، مأخوذ من قولك باشره ، بمعنى ألزق بشرته ببشرته والبشرة الجلدة ، والآن ظرف مبنى على الفتح لأنه اسم إشارة .