هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

187

الجزء ٢ · صفحة ٢١٦

﴿ وابْتَغوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ﴾ : أى وأطلبوا ما قدره الله لكم وأثبته فى اللوح المحفوظ من الولد ، قال ابن عباس : ﴿ باشروهن ﴾ كناية عن الجماع ، وابتغوا ما كتب الله لكم ، اطلبوا بالجماع والولد ، فالآية دلت على أنه لا يطلب الإنسان بالجماع قضاء الشهوة فقط ، بل بقصد ام وضع الله D له النكاح من التناسل وتكثير الملة المحمدية ، وقال A : « تناكحوا تناسلوا فإنى مكاثر بكم الأمم » أى اطلبوا بالنكاح ما كتب الله لكم من الولد فى الجملة ، فإن كان أحدكم ممن قضى الله له بالولد رزق الولد ، فتدل الآية عندى عن النهى عن العزل ، وهو أن يجامع ويهرق الماء فى الخارج ، فهذا لا يجوز بمقتضى هذه الدلالة ولو فى السرية ، وفيه فروع ذكرتها فى شرح النيل ، منها المنع فى الحرة ، والجواز فى الأمة ، وقيل اقصدوا ما كتب الله لكم من إباحة الجماع ليلة الصيام ، لأنه المذكور فى قوله : ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرَّفثُ ﴾ وقوله : ﴿ فالآنَ باشِرُوهنَّ ﴾ وقيل اقصدوا ما كتب الله لكم من إباحة الجماع والأكل والشرب ، لأن الأكل والشرب ولو لم يذكر ، بل يذكران بعد لكنهما قد كتبهما الله لنا ليلة الصيام ، وفى الآية نسخ تحريمهما ولو تأخر ذكرهما ، ويحتمل القولين ، قول قتادة : ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر ، وقيل اقصدوا محل الجماع وهو القبل ، محل الحرث دون الدبر مخرج الفرث ، ويحتمل أن يكون ﴿ باشروهن ﴾ بمعنى مسوهن للتلذذ مسا يكون مقدمة للجماع ، وابتغوا ما كتب الله لكم بمعنى جامعوهن واطلبوا ما كتب لكم من الولد بالجماع ، وقيل اقصدوا ليلة القدر ، فإنها نفع لنا مخصوصة ، وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها ، وهو قول بعيد قريب من أقوال الصوفية ، وقرأ ابن عباس : وابتغوا ما كتب الله لكم . وقرأ الأعمش وآتوا ما كتب الله لكم .

﴿ كُلوا واشْرَبُوا حتَّى يتبين لكُم الخَيْطُ الأبيضُ مِنَ الخيْطِ الأسْودِ من الفَجرِ ﴾ : شبه أول ما يظهر من الفجر المنتشر ، وما يمتد فوقه من بقية الليل ، بخيط أبيض وخيط أسود ، ففى الخيط الأبيض استعارة تصريحية ، وفى قوله : ﴿ الخَيْطِ الأسْودِ ﴾ استعارة تصريحية أيضاً ، ومن الفجر قرينة ، ولو جعلنا من للبيان ، فكما أن زيداً أسد من الاستعارة على التحقيق الذى هو مختار السعد ، ولو اجتمع فيه المشبه والمشبه به ، كذلك الآية لأنه تمت الاستعارة ، وجاء بعد تمامها قوله : ﴿ مِنَ الفَجْر ﴾ قرينة وبيانا للخيط الأبيض ، ويقدر بيان الخيط الأسود هكذا ، وبقية الليل ، فلو قلتا جاء أسد له لبد وزئير وأظفار وافرة وهو زيد ، لم يخرج عن الاستعارة بقولك هو زيد ، هذا ما ظهر لى ، وقد كنت أول مما رستى لفن البيان أقول : إن هذا تشبيه بليغ بحذف أدة اتشبيه ، أى حتى يتبين لكم مثل الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وأعلل ذلك بأن الاستعارة لا يجمع فيها بين المشبه والمشبه به ، والمشبه هنا مذكور وهو الفجر ، والمشبه الآخر مقدر مدلول عليه بذكر الفجر ، أى من الفجر أو بقية الليل ، فقوله من الفجر معما قدرنا قرينة التشبيه كما هو قرينة الاستعارة ، لأن التشبيه البليغ بحذف الأداة محتاج إلى قرينة لفظية أو حالية ، كالاستعارة والمجاز المرسل ، وساء فى ذلك جعلنا من للبيان أو للتبعيض ، فإن كون الخيط الأبيض والأسود بعضا من الفجر ، وبقية الليل قرينة ، وبيان على أن ليس المراد حقيقة الخيط الأيض والأسود ، وإن قلت كيف صح أن يكون ذلك بعضاً مع الفجر كله خيط؟ قلت صح على أن المراد بالخيط الأبيض وهو الفجر الظاهر كله بعض من مجموع ذلك الفجر ، والفجر الذى خفى بجبل أو أرض ، والخيط الأسود بعض من مجموع بقية الليل ، ومن الفجر حال من الخيط الأبيض سواء جعلنا من للبيان أو للبتعيض ، والمحذوف حال من الخيط الأسود بواسطة العطف ، سواء قدرناه بدون من لأنه معطوف على مدخول من ، فله أحكام الجار والمجرور من التعلق واستتار ضمير الاستقرار فيه ، والنيابة عن الاستقرار ، وقدرناه بمن هكذا من الفجر ومن بقية الليل ، والظاهر أن قوله : ﴿ مِنَ الفَجْر ﴾ نزل مع ما قبلهُ فى وقت واحد ، وروى البخارى ومسلم عن سهل بن سعد أنه قال : لما نزلت ﴿ وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتبيَّنَ لكُم الخيْطُ الأبيض مِنَ الخَيطِ الأسْودِ ﴾ ولم ينزل قوله : ﴿ مِنَ الفَجْر ﴾ كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فى رجله الحيط الأبيض والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله D : ﴿ منَ الفَجْر ﴾ فعلموا أنه إنما يعنى الليل والنهار ، روى البخارى ومسلم أيضاً ، عن عدى ابن حاتم ، لما نزلت ﴿ حتَّى يَتبيَّن لكُم الأبيضُ منَ الخَيط الأسْودِ ﴾ ، عَمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتى ، وجعلت أنظر فى الليل فلا يستبين لى ، فغدوت على رسول الله A فذكرت ذلك له فقال :

٧١٦ / ٧٬٦٨٠