187
الجزء ٢ · صفحة ٢١٨« صم كذا وكذا فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود وصُم ثلاثين وما إلا أن تروا الهلال قبل ذلك » قال عدى : فأخذت خيطين من شعر أبيض وأسود ، فجعلت أنظر فيهما فلا يتبين لى شئ ، فذكرت ذلك لرسول الله A فضحك حتى بدت نواجذه وقال : « يا بن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل وظلمته » فتراه قال فسر له الآية والآية اسم للآية إلى آخرها ، وأيضاً قد ذكرها كلها قبل إد قال : وإنمالصيام بالنهار دون الليل لقول الله تعالى : ﴿ كُلوا واشْربُوا حتَّى يَتبيّن لكُم الخيْطُ الأبيضُ مِنَ الخَيطِ الأسودِ من الفَجْر ﴾ . . الآية ، وكان السبب فى نزول هذه الآية - على ما ذكر أهل التفسير - أن رجلا من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة ، ظل النهار يعمل فى أرض له وهو صائم ، فلما أمسى رجع إلى أهله وقال لها قدمى الطعام ، فأرادت أن تطعمه شيئاً سخوناً فأخذت تصنع لهُ ، وكان الصوم الأول إذا صلى الرجل العشاء أو نام حرم عليه الطعام والشراب والجماع ، فلما فرغت من عمل الطعام وجدته قد نام بالعياء والكلل ، فأيقظته ، فكره أن يعصى ورسوله فأبى أن يأكل ، فأصبح صائماً مجهوداً ، فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه . ن فأتى النبى A فلما رآه رسول الله A قال : « يا أبا قيس مالك أمسيت طليحاً؟ » فقال : ظللت أمشى فى النخل نهارى كله ، وأبطأت عنى ونمت ، فأيقظونى وقد حرم على الطعام والشراب ، فطويت فأصبحت من يومى وقد أجهدنى الصوم ، فاغتم بذلك رسول الله A ، فأنزل الله تعالى : ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتبينَّ لَكُم الخَيَطُ الأبيضُ من الخيْطِ الأسْودَ ﴾ الآية انتهى . لكنه قال : إن سبب نزول الآية أبو قيس ، والجواب أن مراده بالآية هو قوله : ﴿ وكُلوا واشْربُوا ﴾ الآية ، تسمية للبعض باسم الكل ، فإن أول الآية هو قوله : ﴿ أحِلَّ لكُم ليلةَ الصيَّام ﴾ وقد ذكر أيضاً قبل هذا أن قوله ﴿ أُحِلُ لكُم ﴾ سبب نزوله قصة عمر وشبهه ، فسبب نزول ﴿ أحلَّ لكُم ﴾ مَنْ جَامَعَ ، وسبب نزول ﴿ كلوا واشربوا ﴾ قصة أبى قيس أو قصته مع قصة من أكل أو شرب بعد النوم أو بعد صلاة العشاء . والكلل : ضد النشاط ، والطليح : من عيى أو هزل ، والجرير : حبل يجعل على شدق البعير كأن أبا قيس ربطه بما يحمل فيه التراب ، فجعل يجره به ، وطويت بكسر الواو : جعت . والناجذ : من آخر الأضراس ، وفى رواية البخارى ومسلم السابقة عن سهل بن سعد دلالة على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة . والمذهب عندنا وعند أكثر قومنا المنع ، فالجواب أنهم اعتبروا حقيقة الخيطين فى صوم النفل قبل رمضان ، ولم يدخل رمضان حتى نزل قوله : ﴿ من الفجر ﴾ وتأخير البيان إلى قوت الحاجة مختلف فيه .